… في سكون اللّيل، والحاراتِ والأزقّة فارغة من روّادها، ودبيبُ كعبِ الحذاء الميري لخفيرِ الدّوريةِ يُسمع من مكانٍ بعيدٍ، وعلى ناصيةِ الشّارع العمومي ترفرف حمامةً خارج عُشها قاصدةً تقليبَ البيض.
يصيح الخفير (ها.. مين هناك) كي يقلعَ ما تسرّب إليه من فزع.
أرخى القمر ضياءه على الجدران في رحلةِ العودة من جديد، بينما تكتحلُ بطون الحاراتِ والأزقّة في الظّلام الباهت.
كان عائداً بعد غيبةٍ طويلةٍ، سيراً على الأقدام.. يحمل متاعَه على كتفه ؛ فرحاً بسنا القمر الذي حرم منه في تشابك أضواء المدينة ؛ محل عمله، بعد ما انتهتْ به خطوط السّكك الحديديّة في محطّة المركز.
على رأس (الكوبري) الواصلِ بين كومة الدّيار والطّريق شبه الممهّد الرّابط بين القرى المجاورة . تلّقاه الخفير بالتّرحاب.. شدّ على يديه.. جلس بجانبه يلتقطُ أنفاسَه ويستريحُ من حمله.
بحركةٍ استعراضيةٍ أخرج (مجدي) من الجيب الدّاخلي لمعطفه الجلدي وارد الخارج علبة السّجائر الصدف.. فتحها.. ناوله سيجارةً، وإمعاناً في المظهريّة أخرجَ القدّاحة المذهبّة، أشعلَ السّيجارتين.
فيطمع الّذي في قلبه مرضُ، أخذتَه أفكاره الملتوية بعيداً عن تطاير الدّخان من فوق رأسيهما.
حدّث نفسه سرّاً : أيعقل أن يكون هذا (مجدي بن على طعيمه) كلاف مواشي الوسيّة في السّابق؟ .
سبحان من منع ، ومن أعطى بغير حساب.
لم تطُل الجلسة ؛ بعد ما علم منه كلّ أحوال القرية ؛ حمل حمله.. دلفَ إلى الحارةِ الطّويلة حيث دار أبيه الّتي تسدّ عرضَ الحارة في نهايتها.
ما هي إلّا خطواتٍ معدودةً ؛ تعثَرت قدمَاه فيما يشبه حجرَ الطّاحون الصوّان الذي تمّ استبدَاله من كثرة البري قديماً.. سقط الحِمل عن كتفِه، لم يبالِ لِمَ سقط ؛ فهو يعلمُ محتواه الذي لا يتعدَي بعض المفروشات والملابس المتّسخة والقليل من الفاكهة زهيدةِ الثّمن.
انحنى يحاول رفع الشّيلة.. إذا تأوهاتٍ تصدر من بين قدميه.. أخذته رِعدة، عندّما آفاق.. وجدَ نفسه عارياً كما ولدتَه أمّه.
- اِخْتِمَارٌ
- التعليقات