“وقفنا أمام عنبر المستجدين .. في صفوف ثلاث .. ننتفض كالعصافيرالمبلولة , من شدة البرد .. والأسنان تصطك ببعضها..لنسمع لها صريراً.. والشاويش “فراج ” يلقى علينا التعليمات ” .. ..
– كل واحد منكم , يتأكد من تمام مهماته.. ويضعها فى مخلته .. واتبعونى فى صف واحد .. معكم خمس دقائق , من الأن فقط , لتفعلوا ذالك
لما اقلتنا عربة المشروع .. ودلفت بنا في قلب الصحراء .. حينها أنتابنى شعور غريب وغامض .. فأنا لأول مرة في حياتي أشعر بالغربة.. وابعد عن بلدي .. وأهلي ومسقط رأسي .. وكانت تلك هي المرة الاولي .. التي اري فيها الكثبان الرملية .. موزعة علي مرمى البصر .. بطريقة هندسية الشكل .. لترسم لوحة فنية لا تضاهيهها يد فنان .. وكان الجو شتاءً .. وكنا في اول يناير.. و فى عز طوبى .. وكنت أتصفح الوجوه الشابة .. وقد رسمت عليها أشياء غامضة .. وغريبه .. تشبه غموض الصحراء .. وكنت أنظر من النافذة .. لأتابع قرص الشمس البرتقالي .. وهي تسير بمحازاة العربة .. لتستتر خلف الجبل في هدوء .. وتغيب في بطء .. والكثبان الرملية مندثرة هنا وهناك .. بطريقة رائعة ومدهشة .. ومبدعة .. وكأن يدي القدر بعثرتها في المكان.. لتشكل لوحة فنية ممتعة .. ومبهجة للعيون .. لتكون منظر جميل ومدهش والمدافن مسطورة على جانبى الطريق .. يطل منها وجه الفناء .. ورائحة الموتي ..
وما ان وصلت العربات مركز التدريب .. حتى وقفت الباصات قليلا .. امام البوابة الحديدية العتيقة للتفتيش .. صعد نفر كثيرون.. يرتدون الزى المموه , والكاب الزيتي , وشارة أمن حمراء على أكتافهم .. اوقفونا صفين , صفين وبدأوا فى التفتيش وأنا أترك بصرى .. يسبق قدماي لدخول المعسكر.. لليتجول , ويستكشف المكان .. اشاهد
على البوابة ثلاث نفر.. واقفون بالشدة والخوزة .. والسلاح متقاطع على صدورهم .. وعلى اليمين سجن صغير غرفة واحدة ــ عرفته فيما بعد ــ ومكان ” جنينة ” لستقبال الزيارات .. ومبانى موزعة بطريقة عشوائية.. ومنشأت مجهولة الهوية بالنسبة لى ــ ربما أعرفها فيما بعد ــ والأشجار ملأت المكان .. عالية ومنبثقة في شموخ وعزة وكبرياء.. أغصانها تلهوا مع الريح .. وكأنها ترفض الانحناء الا لخالقها سبحانه وتعالى .. والهواء يعبث بالأوراق.. وكان الجو شتاءً .. والليلة قارصة .. والنهار يوشك ان يسلّم لنجوم الليل .. أخر موقع ضوء له .. ليحل المساء بعباءته الرمادية .. وبرد الشتاء يصفع وجوهنا بلا رحمة.. ويكاد يجمد أطرافنا .. ويتسرب بداخلنا ليسكن تحت مسام الجلد .. ونحن نسارع الخطى الى مكتب الأفراد .. بعدما صفونا في طابورين متوازيين.. مررنا بمكتب العميد .. ارض الطابور.. قاعدة المحاضرات .. الميس ..عنبر المستجدين .. يقدمنا الشويش” فراج ” وخلفنا عساكر ألأمن .. يثرثروا مع بلدياتهم , وذويهم .. وأخيرا وقفنا امام مكتب الافراد .. ساعتان ثلاث .. لا اذكر بالضبط كم وقفنا.. لكن كل الذي أذكره .. أننا بالتأكيد وقفنا وقتا طويلا .. بعدها تزمجرنا .. وعلت أصواتنا .. احتجاجا واعترضنا على وقوفنا في الطل ,والهواء البارد .. والصقيع .. دون شفقة تأخذهم بنا أو رحمة .. فأمرونا بالجلوس فى اماكننا القرفصاء على الأرض , وفى صمت وانتظام , وانضباط عسكرى .. لنسمع اسمينا من الداخل.. وظللنا هكذا حتى انتصف الليل…. ثم اننقلنا إلى مخزن المهمات .. جلسنا شبه دائرة ليوزع علينا مهماتنا الميري .. في صمت ..”
يوم ضاع من الاجازة .. لا بأس .. فما زال امامى سبعة ايام كاملة بلياليهم .. سبعة أيام بالتمام والكمال .. سأفعل فيهم الأفاعيل .. وأسوى فيهم الهوايل .. سبعة أيام ملكي أنا وحدي فقط .. انام براحتى ..واصحي على كيفي .. أقرأ .. أكتب .. اتنزه .. أزور الأهل .. ألأصدقاء .. أذهب الى النادى .. والى اى مكان أريده.. فأنا من ألآن .. إلى ان تنتهى ألأجازة.. حر طليق كطير في السماء .. ومعى تصريح بهذا .. شعرت برغبة ملحة للكلام .. والتحدث مع احد , أي أحد والسلام .. حتى اخرج من هذا الصمت .. ووحش التفكير الذى ينهش عقلى .. تذكرت صديقي الذي جاء معي .. بحثت عنه إلتفت نحوه.. كان لم يزل نائما .. هززت كتفه بعنف .. فتح عينيه الغائرة .. مزعورا .. فزعا .. هدئت من روعه .. اخبرته برغبتى فى الحديث معه .. حدق في برهة .. نفخ في وجهي بضجر.. وتبرم .. مسح وجهه بيده .. عدل من وضعه .. سألنى عن الساعة في يدي ..؟.. وعن القطار هل قام من المخزن ام لا ..؟ وهو يفرك عينيه .. فأخبرته بأنه باقي عليه القليل.. رمى عينيه في الفضاء البعيد .. وكأنه يفكر في شيء ما عنى له.. ثم هز كتفيه.. وأغمض عينيه مرة اخري.. بعدما عدل من جلسته .. وراح يستدعى النوم من جديد . وهو يقول لى في خمول وكسل وتثائب….
– طاب سيبنى أنام شويه … وبعد ي ن …..!!
– ……….. !!!
ابتسمت فى نفسي.. وقبل ان اغمض عيناي .. في محاولة بائسة .. لاستدعاء النوم مثله تسلل إلى اذني .. صوت ناعم كالحرير .. ورقيق كنسيم البحر .. تنبهت.. بحثت عن صاحب الصوت.. الذي ينبعث من المقعد الخلفي.. يسألني بنبرة مطربة بعض الشئ
– لو سمحت القطار سيقوم أمتي …؟
التفت إليها بسرعة البرق والضوء معاً .. لأتعرف على صاحبة الصوت الحريري الملائكي .. فرايتها وكأنها حرية فرت من الجنة .. لتجلس خلفي .. غادة حسناء .. يعجزالسان عن وصفها , والقلم.. فجمالها يفوق الوصف وكأن الله أرسلها إليّ بعدما اطلع على ما فى داخلى .. فتاة تبدو فى مقتبل العمر .. متوردة الخدين .. كستيائية الشعر .. عيناها عسلية .. وجهها بدر منور.. ليس دونه سحاب .. الرقبة كوز من الأبريز الخالص .. انفها قطعة سكر.. فمها ياقوت مكسر ..
– لو سمحت متى سيقوم القطار ….؟
بحركة سريعة وعفوية .. أغلقت الراديو الصغير.. ووضعته في جيب الزنط , الزيتي الكورى .. وانا لم ازل معلق عيناى فى وجهها الذى يشبة الحديقة الغناء .. ودون ان أنظر فى ساعة يدي .. اجبتها بسرعة ..
– في الساعة السادسة ونصف تقريبا .. …
فشكرتني بابتسامة رقيقة , رقراقة , اخرجتها من شفتيها .. وضعتها على وجهها الصابح الصبوح .. الضاحك المضيء كالبلورة.. ورمتني بنظرة فاترة ساحرة.. اخترقت سويداء قلبي كالسهم .. وأدارت عقلي كالخمر.. وهي تسكن بعض خصلات شعرها الثائر خلف اذنيها.. ثم عادت لترتب شؤونها .. وانا أنظر إليها في انبهار وغير مصدق ما أرى .. وأسأل نفسي في نفسي
ــ “ما هذا الجمال المبهر..الذي يأخذ القلوب ويخطف الأبصار.. ويذهب بالألباب..؟ ” ورحت أسبح في بحور من الخيال .. وأتمنى أن تسألني مرة أخرى , وأخرى .. بل ألاف المرات حتى اتمتع بالنظر الى وجهها الجميل ..
” فلتسألني عن أي شئ ..المهم تسألني .. لأسمع صوتها العذب .. الذي يشبه كقطعةٍ موسيقية.. من موسيقة بتهوفن في اسطوانته الخامسة .. أو مقطع من موسيقي ” مونامور “.. فالتسألنى مثلا عن القطار..؟ والوقت الذى سيقطعه ليصل..؟ والمسافة التي سيستغرقها ..؟ .. أو حتى تسألني عن صدقي هذا النائم بجواري ؟..عن أي شيء.. اى شيء .. ؟.المهم أن تسألني .. وأنا سأجيبها بإسهاب وإطناب وتزيل .. وتتحدث معي والسلام “..
كل هذه الأشياء وغيرها دارت بخلدى للحظة .. وانأ أستدير بوجهي في محاولة يائسة لخلع عيناي من على وجهها الأبيص كالبن الرائق ..بصعوبة بالغة استطعت تحويل عينيا عنها.. أما هي فكانت من حين لأخر.. تنظر إليّ باستغراب .. وعلى وجهها ابتسامة فاترة .. تعلوها حمرة الخجل والحياة .. مرسومة في عيناها علامة تعجب عريضة , وشيء من الاندهاش .. والاعجاب لا ادري من ماذا .. !! ..
” وكأن بعينيها قوة مغناطيسية هائلة .. تشدّني من أخمص قدمي إلي مفرق راسي وتجذب كل زراتي اليها .. وكل من ينظر إليها .. فلا يستطيع انفكاكا .. أو مقاومة حتى يفر من سطوت جمالها الفتان .. أرقبها وهى تهرب بعينيها خارج النافذة .. لتحط كحمامتين جميلتين فوق الوجوه الباصه , والمقبلة صوب القطار ..
وكان الوقت يمر ببطء .. وانا انظر اليها .. وهي تنظر إلي من حين لأخر.. وأنتظر ..
ولما طال انتظاري .. تململت .. إفتعلت صوت سعال .. وبداخلي شعور أكيد ..
بأنها سوف تسألنى مرة أخري .. لكنى تعهدت بينى وبين نفسى..عندما تسألنى مرة اخرى.. لم , ولن أدع الفرصة تفلت من يدي .. وتمر مرور الكرام , هيهات , هيهات
” لن ادعها دون أن أغتنمها , وانتهزها .. سأجعل من السؤال حواراً .. ومن والحوار موضوع .. ومن الموضوع قصة .. وحكاية تطول .. وتمتد , بطول سعات السفر.. والليل الطويل حتى نصل .. لكنها الأن شاردة الذهن .. صامته مطرقة وهي تهز رجليها , هزات متتالية في توتر .. وتفرك يديها من حين لأخر فى حيرة وانتظار, وقلق, وكأنها تترقب احداُ , تقرض أظافرها من حين لأخر .. فى شرود ذهنى .. وكأنها تفكر في شيئ ما..
عقلي المريض خيل لي بأنها تفكر في طريقة ما .. لتبدأ الحوار معي .. أو فى سؤال أخر تسأله ليّ.. وسألت نفسى من جديد .. ؟ .
ــ ” هل أبدأ أنا معها الكلام ..؟ .. أم انتظر..؟..وأن بدأت أنا .. ترى عن اى شئ سأتكلم …؟ وعن أي شيء سأتحدث معها ..؟ .. أأسألها عن سر صمتها الرهيب ..؟.. وتوترها الشديد , وأضرابها المتذايد أم ماذا ..؟ .. وما عساى ان اسألها ..؟!! أأسألها عن سر الحزن الساكن في عينيها ..؟ والذي يملأ وجهها الملائكى الجميل , الهادئ , وعيناها ذات البريق الأخاذ .. والسحر الأسطوري ..؟.. أم تري اسألها عن سرعدم اهتمامها بي .. وعدم مواصلة الحديث معى .. ؟ .. ام عن وجهتها ..؟ .. . وإلى أي البلاد تنتمى .. ؟؟.. وعدت اسأل نفسي .. ترى ما سر اهتمامى أنا بها ..؟ وما الشيء المختلف الذي فيها .. حتى جعلتنى اهتم بها .. الى هذا الحد , الذى جعلنى افكر فيها هكذا.؟ والى هذه الدرجة التى جعلتنى مشدود نحوها بخيوط غير مرئية ومنجذب إليها كقطعة من الحديد الصغير نحو مغناطيس كبير ..؟؟..”
عدت إلى نفسي ألومها .. وأعنفها على كل هذا الخبل والجنون ….
ــ ” هل جننت كيف سمحت لنفسي بأن أفكر فيها بهذه الطريقة البلهاء , السخيفة .. أمن اجل سؤال عابر وعادي جدا .. كان من الممكن ان تسأله لزيد أو عمر من الناس .. او لأي أحد غيرك.. تهتم بها كل هذا الاهتمام الغير مبرر.. والغير منطقي يبدو انى اعطيت الموضوع .. اكبر من حجمه الطبيعى .. ”
نبهني صوت الكسارى .. الواقف فوق رأسي .. وهو يهز كتف شاب .. مكوم فوق احد الرفوف من شدة الزحام .. مددت له التذكرة الخضراء .. التقطها بحنكة ودربة متناهية النظير.. قربها من نظارته المقعرة .. وضع البطارية الصغيرة .. المعلقة فى عنقه عليها ونظر.. فتح دفتر صغير نقل منه شيئا ما.. وكتب شيئاً خلف التذكرة الخضراء .. ربما يكون رقم التذكرة.. أوربما يكون التاريخ .. أو رقم الاستمارة ..أو شيئا أخر لا ادري .. ثم دفعها إلي بتأفف .. وهو يعبث بياقته وينتظر ريثما يخرج الشاب ــ الذي مازال فوق الرف ــ نقوده من جيبه .. يدفعه بيده .. يحثه على الإسراع وعدم التلكع.. يدس يده في جيبه .. يعبث بالعملات المعدنية.. ثم يخرجها ليضبط المنديل الذي وضعه خلف عنقه .. يهزه مرة تلو الأخري .. وهو يقول له :
ــ ” خلصني ”
يقولها وهو يهزه من ساقه .. يمر احد الباعة من امامه .. وهو يبتسم له ابتسامة عريضة.. بلهاء .. لا يأبه به , ولا يعبره .. وهو يمرق البائع من وسط الزحام .. وهو يقول
ــ أهلاً حضرة الريس
ـ يالله شندوتشات للي هيأكل ..؟.. بيض .. وعيش .. وجبنة ..
يبتسم له الشاب وهويمد له ورقة بمائة جنيه .. وهو يغالب النوم .. يأخذها الكمسارى بسرعة البرق يفردها .. ينظر فيها .. يفركها .. حتى يتأكد انها غير مزورة .. يدعها فى قلب الدفتر الصغير .. يستف الاوراق المالية بطريقة عجيبة.. يفر بعض الأوراق الصغيرة الصفراء , والحمراء .. يقلبها.. يكتب خلفها شيئا ما .. وهو يبتسم .. يضع القلم .. فوق ارنبة اذنه .. يغيب يده فى جيبه الأزرق.. يخرج قبضة من العملات , المعدنية يعد له ما تبقى من نقود.. وهو يسأله ..
– رايح فين ..؟
– ……………..
يصفر القطار .. فيتجاوزنا الكمسارى بسرعة .. بعدما يكون قد أعطي التذكره للشاب .. ثم يشق الصفوف .. بدربة فائقة .. وبطريقة غريبة.. حتى يصل الى الباب الواقف خلفه بعض الركاب .. الذين ركبوا تواً.. يقطع لهم التذاكر .. وانا اتابعه باهتمام .. يأتيني صوت الفتاة .. يسألنى من جديد …؟
– لو سمحت القطار سيقف على اى رصيف ؟؟
– …. رصيف رقم ” 11 “……..
هزت راسها .. لتشكرنى من جديد .. وعلى وجهها نفس الإبتسامة .. وفى عينيها نفس النظرة .. وكلام كثير غامض .. لم افهمه .. الصقت ظهرى بالكرسى .. وعيناها الواسعة في عيناي .. اقنعت نفسى بعدم الاهتمام بها .. او التفكير فيها من جديد .. لكن وعلي حين غفلة مني .. أفرغت كل ما بداخلها .. من غموض , وحزن , وقلق , وتوتر بداخلى .. التفت الى صديقى , النأئم بجوارى , وقد استيقظ من نومه .. فجأة كالمذعور.. وقد انتشرت على صفحات وجهه ابتسامة خبيثة .. اعرفها جيدا.. وكأنه يلومني .. لما لا أيقظه .. غمز لي بعينه ..عدل من جلسته .. تثاءب .. فرك عينيه بيديه.. مدهما في الهواء.. تمطي .. وانأ أخرج علبة السجاير .. اشعلت سجارة ماركة محلى ” كيلوباترى ” سحبت نفسا عميقا .. حبسته في صدري برهة.. ثم أطلقته في الهواء .. وعدت في أسترخاء .. أنظر للفصاء البعيد..وعواميد النور.. واللافتات.. والمباني.. والعربات الفارهة , والناس .. وهي تغدو وتروح.. أدس يدي في جيبي .. أتحسس تسكره السفر لأتأكد انها لم تزل في جيبي .. اخرجها مرة اخري .. يقبع خلفها التصريح .. اقرأها للمرة ال عشرون …
” يصرح للمذكور …. بالغياب من الوحدة العسكرية ….. بتاريخ ….. إلي ….. ”
لا ادري لماذا حضرت .. صورة أمي الأن في رأسي بقوة ..
” كانت ذات صباح .. وهي علي سطح بيتنا .. تطعم طيورها الصغيرة .. جلست في مكان ما .. وقد مدت رجليها تلتمس الدفء من شمس الشتاء .. وقد نشرت شعرها الأسود الجميل .. لتمشطه علي بشكيرها الأبيض ..الذي كانت تلف به رأسها .. وهي تغني للطير المسافر .. والحبايب الذين رحلوا عنها .. وأنا أتطلع في وجهها الذي لم يستطع الزمن .. أن ينال من جماله إلا القليل .. وكانت احب ان اجلس لجوارها .. استمع لحكاويها الجميلة .. فهي دائماً تحب ان تحكي قصتها مع ابي .. وتذكر كيف تزوجها ..مرة من المرات وانا صغير سألتها …؟
ــ ليه يا امي تزوجتي ابي …؟!!
اشرق وجهها بابتسامة خفيفة .. أتكأت بظهرها على حائط الفرن البلدي .. صمتت هنيهة .. وراحت تسبح في عالمها الذي لم أره .. حتي ظننت انها لن تجيبني عن سؤالي الفضولي ..الأ انها فاجأتني بالأجابة .. بعدما عدلت من جلستها .. ابتسمت
ــ ابوك سبع يا ولدي .. الف وحدة كانت تتمناه .. راجل ومالو هدومه .. طويل وعريض .. وعلي قدر وعارته .. علي قدر طيبته.. كل الناس كانت تهابة وتحبه وتوقره.. ده اللى عجبنى فيه .. وخلاني احبه .. شهم..وكريم .. واللي في ايده مش ليه اخدنى من امى بالعافية ..
اطرقت هنيهة والأبتسامة الجميلة لم تفارق وجهها.. وانا كلي فضول .. وترقب ان تكمل لي الحكاية .. ثم اردفت قائله .. أمي قالت له :
ـــ مش هدهالك هو الزواج بالعافية ..
ولما لقيته مُصر , ومصمم .. اشتكته فى النيابه العمومية .. وقدام وكيل النيابه قال
ــ انا عاوز اتزوجها يا سعدت الباشا على سنة الله ورسوله .. بحبها والله العظيم .
ــ دي صغيرة يا باشا .. وده كبيرعنها .. ومتزوج ومعاه أولاد .. ما ينفعش معنا
ولما سالنى وكيل النيابة ..
ــ انتي بتحبيه ..؟..
فسكت .. وانا مكسوفة اقول له ” أني احبه ”
ــ يعني عاوزه تتجوزيه ..
فضحكت وسكت برضك .. قام وكيل النيابه زعق في أمي وشخط فيها وقالها
ــ البنت عاوزه تتجوزه ..
امي كانت واعره خالص .. وشديدة .. كشت في قدام وكيل النيابة .. وقالت لي ..
ــ لو تزوجتيه لا انتى بتى .. ولا أنا اعرفك .. تكونى محرمة على الى يوم الدين .. ولا ادخل ليك بيت ولا اخطيلك عتبت دار .. يا ام عين بدسه ..
وكله وانا ساكته .. روحنا.. بصيت لقيته دخل علينا البيت .. وفى ايده المأذون .. واتنين شهود .. وتلمت الناس .. وكتبنا الكتاب وعلينا الجواب .. ”
لسعتني السيجارة .. تنبهت .. لأجد نفسي في القطار .. نظرت فى ساعة معصمى .. لأتعرف على الوقت .. أخذت نفسا عميقا .. عصرت ذاكرتي .. التي كثيرا ما تخونني رايت كثيرا من الناس .. أخرجوا رؤؤسهم من النوافذ .. لينادوا على ذويهم , بأصوات , مرتفعة , متداخله .. وهم يلوحون بايدهم .. في إشارة بأنهم هاهنا .. أخرجت أنا أيضاً رأسي من النافذة .. لا أدرى لماذا .. ربما لأتعرف على أحد .. أو ربما للإيحاء الجماعي .. أو ربما للتشبع من الهواء النقي .. والقطار يتسحب ببطء , شديد وبهدوء .. وقد تمكن الجميع من الجلوس علي الكراسي .. ألمح طفل أسمر , حدث , نحيل .. يقف أمام صنوبرالماء .. يملأ زجاجات ” البلاستيك ” الفارغة بالماء ينتهى من واحدة .. يضمهم إلي صدره العارى .. يصعد القطار بحرفية.. وحركة بهلوانية .. وكأنه يريد ان يقول لناس الناظرين إليه ..
” لا تندهشوا فأنا مدرب على هذا .. وبيني و بين القطار أُلفة , ومودة من نوع ما ” يطوح بيده في الهواء .. وهو ينادى بمد صوته الضعيف .. وقدماه حافيتان ..
ـ بخمسين قرش الزجاجة .. واشرب يا عطشان أروى نفسك ”
لا ادري لماذا شدني منظره .. وكلماته التي كانت تدخلنى لتهزني بعنف شديد .. وانأ مشفقا عليه .. أتفرس وجهه .. الاحظ أثر جرح قديم .. غائر يمتد على طول صفحة خده الأيمن ليصل إلى صدغه .. وأنفه الصغيرة الحبشية.. يرتدى قميصا أبيض متسخ ممزق .. ظهرت عليه البقع واضحة .. صدره بلا “زراير” مفتوح على فلينة , قديمة متسخة .. صدر ضامر كفرخ قمري .. برزت عظامه واضحة .. وبنطال أحمر متسخ ومشروك على ركبتيه .. سحبت عيناي على قدميه .. فكانت متسخة وحافية , ومعتورة ايضاً.. صوت بائع الشاي , وبائع الجرائد ” والكوكاكولا”, والسندوتشات , والحلوى وغيرهم الكثير من البائعين .. لا تكاد اصواتهم تغطي علي صوته الصغير إلا أن صوته كان يأتينى بقوة , ليصفعني ببرائته.. ربما لانى كنت متعاطفا معه .. رثيت لحاله كثيراً.. وأشفقت عليه ايما اشفاق .. وأخذا سؤال يلح في رأسي .. ويطرح نفسه بشدة .. ولم استطع منه فكاكا..
ــ ” أي حظ عاثر.. دفع به إلى هذا المصير ” وظلت أتابعه باهتمام .. وعن وكثب وهو يبيع زجاجة ماء .. لأحد الركاب , يضحك , يداعبه .. ويخاطبه بلغة تكبر سنه
ــ الدنيا كام اقه ..؟.
يضحك .. يقترب من امراة ثمينة بدينة مسنة .. تشتري منه واحدة .. اشير اليه بيدي اخذ انا ايضا واحدة .. اخرج خمسة جنيهات ادفعها اليه .. يخرج نقودة القليلة من جيبه .. يعدها حتى يعطيني الباقي .. فأرفض ان اخذها منه .. تنتشر السعادة علي وجهه .. يتجاوزني بخطوات قليلة .. ليلبي نداء الطفولة .. وعالمها الساحر يناديه بين الفينة والفينة , ويستدعيه بل ويشده إليه .. ألحظه .. يلهو .. يلعب .. يخرج لسانه للهواء .. يغني .. وربما عبث بالزجاجات التي يحملها .. يلقي بواحدة منها في الهواء .. ثم يلقفها بيدة .. كساحر صغير ..
القطار يقترب من الرصيف .. طلبت منى الفتاة .. أن أجلس بجوارها .. لتتمكن من حجز المقاعد الشاغر الذي بجواها لأمها , وامرأة أخيها الحامل .. وبدون ادني تردد مني تخطيت المقعد .. أجبتها .. وانا اسألها بفضول ..؟……
– لماذا لم يأتين معك …؟
أجابتني .. وعيناها تتصفح الوجوه التي تتدافع .. حتى تتمكن من القفز داخل القطار والمنتشرة بطول الرصيف .. والقطار , يتهادى في مشيته , ببط وترنح ….
ـ امرأة أخي حامل ..
وقبل أن يقف القطار .. على الرصيف .. تركت صديقى والكرسى , والفتاة .. ونطلقت كلسهم من جوف القطار.. وندفعت على الرصيف .. أهرول أبحث عن ام الفتاة , وامراة اخيها .. واخيرا وجدتهما واقفان .. خلف العربة الأولى.. محشورتان بين الكتل البشرية.. تعرفت عليهما من خلال الشبه , والوصف.. اقتربت منهما وانا الهث .. سألتهما لأتأكد اني لم اخطئهما
ــ إنتى أم الهام , وإنتي امراة اخيها ……؟
فأجابتنى أمها بأيمئة من رأسها .. وقد تهللا وجهما فرحا.. وكأنى رحمة جاءت وهبطت من السماء .. وطالبتا منى ان أصلهما إلي تلك الفتاة .. حملت أمتعتهما .. وفردت الخطى .. شققت الزحام بصعوبة .. وهما خلفى يتبعني .. وضعت أشيائهما , بجوار حقيبتى فوق الرف .. ثم جلست مكاني , بجوار, النافذة .. دقائق معدودة إمتلاء , فيها القطار عن اخره .. نظرت إلي الفتاة , الجالسة أمامى فوجتها مبتسمة.. إبتسامة عريضة .. وقد ارتاحت نفسياً .. شكرتني علي صنيعي .. وإمتنت .. إنعدلت لأتمكن من جلستي .. بينما هي كانت تصلح من فثتانها ” الموف ” شدة غطاء رأسها ألأبيض فجأة ظهرة بائعة الشاي امامي .. العربة التي تقف عليها علي الرصيف.. امام النافذة التي اجلس بجوارها مباشرة .. حولت بصرى عنها سريعا .. متظاهرا باني لا اعرفها ” فبائعة الشاي” تذغر بنظراتها الي .. وعيناها ترمى بالشرر .. والنار يتطاير من بؤبؤ عينها .. أخذت انظر إليها بهتمام .. وأنا أحاول أن أرسم على وجهي .. إبتسامة مصتنعة.. تأهدئها .. فى محاولة فاشلة لإيهامها .. باني لا اعرف تلك الفتاة ..وارسل لها انطباعا بان جلوسي امامها .. لم أسعى إليه البتة .. أخرجت صحيفتي , المفضلة بأعصاب باردة , وبحركة رتيبة , فاترة رحت اقلب صفحاتها .. وأدس وجههى في عنوينها , متجاهلا كل ما يدور حولي .. بينما كان ببركان من الغضب ينفجر بداخلي.. ورغبة عارمة وقوة من نوع ما , تشدني تجاه هذه الفتاة , التى أمامى مع تلهف وتعطش شديد للحديث معها , والتعرف عليها .. وسؤألها من أين ..؟. ..
والى أين ستذهب ..؟ .. ولكن” بائعة الشاي “.. الواقفة أمامي , وضعت يدها في خصرها .. تنظر إلي في تحدى .. وكأنها تحذرني .. تتهددني .. تتوعدني أن افتح فمي ولو بكلمة واحدة .. مع هذه الفتاة .. داهمني شعور بالخوف .. فأسرت السلامة وسكت .. فأنا أعلم من تكون
” بائعة الشاي ” فتاة شرسة جداً .. رأيتها ذات مرت .. وكانت تتشاجر مع ثلاث نفر من الشباب .. قالوا بانهم ” قاموا بتحرش بها “.. وقلوا أدبهم عليها برزالة .. حتى نفذ صبرها “.. وقالوا ايضاً بأن هؤلاء الثلاثة ..” شربوا من عندها الشاي .. ولم يحاسبوها على ثمنه ” وقالوا .. ” بانهم كانوا يريدون ……. ” … حينها حب الاستطلاع , والفضول .. دفعنى لأاقترب من المشهد اكثر.. ذهبت الى مكان المشاجرة .. دفعت الناس بقوة .. حتى استطعت أن اجعل لنفسي فرجة صغيرة , أطل من خلالها برأسي .. لأتعرف على ما يحدث .. وأرى المشهد عن قرب .. كانت غاضبة .. وصوتها مرتفع .. وهى تمسك بياقة قميص أحدهم .. وهى تهزه في عنف والناس من حولها .. ينظرون .. وهو ينتفض فى يدها .. كالفأر الصغيرالمبلول
– يا روح ماما انت وهو, وهو.. دانا أشرحكم واحد , واحد.. سمعيين يا حلوين . !!
والباعة يقفون بجواها .. يحيطونهم من كل جانب .. كل منهم متحفز , ومستعد ..
ان يضربهم مجاملة لها .. لكنها رفضت ذلك بشدة.. وزعقت فيهم بصوت قوى .. لبنت البلد المقدع …
– لا ما حدش ليه دعوة .. ومحدش يدخل خالص .. أنا كدهم والتلآت تربع ….!!!!
ثم أردفت تكمل.. وهى تدفع به بعيداً .. وهو يرتعش في يدها كالفأر الصغير ..
-ـ غوروا من قدامى السعادي ..لحسن ودينى اشرحك , وما خلى الدبان الأزرق .. يعرف لكم طريق جرة
ــ ………..
أتخيلها للحظة .. بأنها فى تلك المرة .. ستطلب منهم التدخل ليتعاملون معي …
ولم تمنعهم من ذلك .. ليجاملوها .. ويأجرون في ضربي .. بل ربما ترحب بذلك , وتباركه .. فكل الباعة يتمنون لها الرضي .. ”
” أخشى أن تراني .. أتحدث مع تلك الفتاة الجالسة أمامى في القطار.. فتسحبني من النافذة كالفأرالصفير .. ولا تنتظر حتى أن أخرج إليها .. أو تأتى هى من الباب .. ولن تعطيني الفرصة .. لأوضح لها حقيقة.. ولن تتركني ابين لها وجهة نظري وأشرح لها ألأمر..
ــ ستفرج على الناس .. وتجعل منى أضحوكة .. علقه ساخنة العق فيها البلاط ..
ولا اشك بأنها لن تتركني حتى أعوم فى دمى.. وأبوس ألأيادي .. لكي تتركني وشأني
وهى ” تنظر إلىّ في استعلاء وغطرسة , وغرور .. ويدها في خصرها تهز وسطها ألبلاب .. وأنفها في السماء .. تتمايل وتعتدل كعود ياسمين طرى …
والناس من حولنا يذدحمون .. يتدافعون .. ينظرون .. وهم ينظرون الي ومشفقون عليّ .. وأنا أرجوها أن تسامحني .. وتتركني أعيش.. وتتركني لحال سبيلي..والناس يمصمصون شفاههم .. ويضربوا كف بكف .. وكأني أسمع أحدهم
– عيل وغلط يا معلمة ..!
– خلاص سمحية يا معلمة ..!
– لالا لازم تربيه .. !
– كفايه كده , خد جزاته يا معلمة ..!
– مش هيعملها كده تانى خلاص بقى ..!
-…………..؟ !
موقف مالودرامة .. على دراجيدية سوداء مضحكة .. تخرج لكومدية نجيب الرحانى لسانها .. لكنه مشهد سينمأئى لذيذ ورائع .. ممكن ” يوظف في فلم عربى هابط مستهلك القصة , والفكرة , والمضمون .. هههه ” ..
تنحنحت الفتاة التى تجلس أمامى على المقعد .. فتنبهت لوجودها , أربكتنى إبتسامتها المفاجأه .. فهربت من عينيها الجريئة .. ورحت أقلب صفحات المجلة التى بيدى أمسح ابرز العناوين والمنشطات العريضة .. بنظرة فاترة .. وانا اختطف النظرات السريعة .. لتلك الفتاة التى تراقبنى من الشباك .. ذات العينان العسليتان .. والبريق اللامع , ألأخاذ , يشع ذكاة , وفطنة .. فأطرقت تنظرألى ألأرض .. وكأنها ادركت ان فى لامر شيئا ما .. جعلنى اتجاهلها , بعد ما كنت ملهوفا عليها .. شيئا جعلنى احجم عن النظر اليها .. والحديث معها . وألأهتمام بها .. فتجهت لحديث صديقي وامها .. الذى لم يصلنى منه .. الا طنين خافت .. من كثرة الاصوات , والضجيج وهدير القطارات .. وصفيره المذعج .. وأصوات الباعة في القطار .. وصيحات الركاب وصوت جواهر المنبعث , من كست ضخم , يحمله احد الركاب ..
” أقدرأزعلو.. أقدراخصمو ” رجعت بجسدى للوراء .. وسرحت بذهنى .. ورجعت لليوم الذى تعرفت عليها فيه ” بعد من انفضت المشاجرة.. كان القطار متأخرا كعادته .. جلست على المقعد الرخامى ..الذى تبيع بجواره الشاى .. طلبت منها كوبا من الشاى .. فأسرعت فى احضاره .. نظرت اليها بأعجاب .. فابتسمت طلبت منها وصلة سكر .. أعطتنى سكرية كان منظرها غريب ويدعو للدهشة .. والعجب فأنا لم ارها من قبل .. حاولت فتحها , ولكنى فشلت .. فرحت اقلبها فى يداى .. وانا انظراليها واتأملها .. وهى كانت ترقبنى من طرف خفى .. وتضحك بصوت منخفض .. إنتبه المارة .. إلتفتوا إلينا ومضوا دون إكتراث .. او تعليق .. فلا احد يجرأ على التعليق .. ولو بكلمة واحدة .. أقتربت منى وانا مازلت
أستكشفها وأحاول فتحها .. فضحكت مرة اخرى .. ولكن فى هذه المرة .. كانت الضحكات عالية.. وهى تنظر اليّ.. وكأنى جأت لها من كوكبا أخر.. من المريخ مثلا.. أو من أى كوكباغريب لاحظت فى نظرتها ألأعجاب .. ممزوج بشئ من الأستغراب .. وهى تسألنى بصوت كهسيس المطر على الاغصان الشجر , مورف الظلال
– الدفعة من أين
– من الجنوب
– أقدع ناس
– عشتى
أمسكت السكرية من يدى .. ضغطت عليها بأصبعها .. بطريقة ما .. ففتحت .. واعطتنيها
– مرسيه
بصوت ونبرت بنت البلد .. وهى مازالت مبتسمة .. وقد أخذت مني السكرية ..
– يا خوى كلمنا عربى أحسن
– شكرا كتر خيرك
– أيوه كده خليك ابن بلد .. ربنا يحفظك لشبابك
واستمر الحوار بيننا هاكذا .. بسيط , وعفوى .. وبدون كلفه,او تكلف..ما يقرب من ساعة.. أو يزيد .. ومن هنا كانت البداية .. وبدأت الحكاية .. وحصل التعارف , والاستلطاف .. ثم جاء القطار .. فابتلعنى فى جوفه .. كما ابتلع اخرين .. ثم توالت اللقاءت .. والاحدث تراكمت بيننا .. كلما أتيت الى القاهرة .. أجئ اليها بلهفة .. ولا يمكن ان أمر على مصر.. دون ان اتناول عندها كوبا من الشاى الساخن .. ونتبادل أطايب الحديث .. وبعض الضحكات .. والنظرات ذات المعزى .. وازداد اعجابي بها حتى ادمنت رايتها .. وتعودت عليها .. وألفتها , وألفتنى .. حتى صارت جزاء لا يتجزء من عاداتى .. وتقوصى القاهرية .. لا تنفك عنى , ولا انفك عنها .. وتعلقت بها .. ولكني لم صرح لها بذلك.. وكنت ارى شيئا من ذلك.. فى عينيها وتصرفاتها ..
إنتبهت .. لصوت القطار ..الذي أشتد , وارتفع .. نظرت فى خيفة .. للفتاة التى ما زالت جالسة امامى من وراء المجلة .. كانت تنظر الى بابتسامة ساحرة ..
– هه نحن هنا .. اللى واخد عقلك … ؟!
– أبداً سرحت شويه كده
– قول شويتين تلاتة
طبقت صحيفتى .. حشرتها فى المقعد الخلفى .. اخرجت علبة السجائر .. قدمت واحدة لصديقى .. إختطفها بحركة لافتة .. اشعلها فى فمة بسرعة .. أخد نفسا عميقا , احتبسه فى صدره .. ثم نفخه بشدة .. فخرج الدخان كثيفا.. وفى خطوط مستقيمة, ودائرية .. بدأت اشعر بالصقيع يسرى فى المكان .. ليتسرب ويسكن تحت مسام الجلد .. نظرت حولى .. لأثبت لنفسي انى لست الوحيد الذى يشعر بالبرد .. وينتفض فالركاب كانت منكمشة .. فوق المقاعد .. وفى ردحة القطار والرفوف .. لتذكرنى بالفراخ الصغيرة .. المنكمشة فوق سطح , منزلنا الصغير.. تحت خص البوص فوق الفرن المكسورة .. من شدة البرد .. تستمد الدفء من تلاحم اجسامها ” بائعة الشاى مازالت تقف امامى .. والشرر يتطاير, من بؤيؤ عينيها , الواسعتين , من حين , لأخر .. وتجذبنى اليها بقوة خرافية , هائلة .. وانا انتفض من شدة الصقيع وأشعر بقوتين , متناقضتين بداخلى قوة جذب .. وقوة طرد .. مد , وجزر.. بينما صديقى لا يهمه شئ سوى .. تسلية الطريق .. وقتل الوقت .. وسعات السفر .. بالثرثرة مع اى أحد .. ينتهز الفرصة من حين لأخر .. ليلتقط طرف الحديث .. بكلمة من هنا أوهناك .. حركة ما ليعلق عليها .. بجملة أو جملتين .. وربما افتعل هو حوار ليمط في الحديث اكثر .. ويكثر الكلام مع أم الفتاة .. ذات البشرة البيضاء .. والجسم اليافع , النضر ..والثياب السوداء .. والشال الفلاحى المطرز بالولي الأصفر ملقاه على رأسها وكتفيها .. أسمعها تقول له
– انتم إخوه ولا أصدقاء …؟
– أصدقاء ولكن ……؟
ضحكت من طريقة كلامه معها.. وأسلوبه البهلوانى فى الرد.. وطول نفسه فى الكلام والتعبير والتشدق .. وافتعال الحديث.. و”بائعة الشاي” تغيب وتنظرا اليّنا.. والقطار مازال واقفا على رصيف ” رقم 11″ .. وانا أريد ان اتحدث مع الفتاة .. التي تجلس أمامي .. والناس مازالت تركب القطار.. وهم يتدافعون .. والفتاة الحسناء كانت توزع نظراتها .. هنا وهناك وصديقي وامها وامرأة اخيها .. وكان الوقت يمر ببطء شديد .. كسلحفاء عجوز عرجاء .. تسحف الى الماء .. وهى ظمأ وقد تعبت .. فجأة يصفر القطار.. يزمجر وهو يسحب عجلاته ببطء .. والناس يتصايحون ويصعدون وهم يتدافعون .. وتعود روحي شيئا فشيئا.. انظر الى بائعة الشاى .. وهي تبتعد عني قليلاً .. تشير يبدها .. والابتسامة العريضة على شفتيها .. تودعني .. ويتجاوز القطار الرصيف .. وينعكس ضوء المصابيح ..المصطفه على جانبى الطريق .. واليافطات التي فوق الشرفات المطلة .. ويلقي بظلاله داخل القطار.. ليمسح وجوه الناس .. وتقل الرؤية شيئا فشيئا .. بعدما ابتعد القطار عن الرصيف .. وتنخفض الأصوات .. فلا تسمع الا همهمات .. وهمسات تنخفض وتهدأ قليلا .. ثم تعلو شيئاً ما .. تقع عيناي على الطفل .. الذى يحمل على صدره زجاجات الماء .. أسمعه ينادى بصوت عالى
” أروى نفسك يا عطشان بخمسين قرش واشرب ” تذهب عينايى خلفه .. تتبعه أنّ ذهب .. يقترب من الباب يخرج لسانه للهواء .. يغنى حيناً .. ويعبث بزجاجات المياه يرقص .. يقف بجوار صاحب الدمى .. الحجرية المزركشة.. يلهو بواحدة .. يلعب معها بعض الوقت .. يصفعه صاحب الدمى الضخم .. على صفحة عنقه وهو يضحك ويسبه بأمه .. ينظر اليه بعينين صغيرتين , متسختين . متورمتين .. نظرة فيها ما فيها كره .. استعطاف .. استجداء .. لا ادري ما هي .. يطلب منه يتركه يلعب مع الدمى .. فيدفعه الرجل الأدم .. المنتفخ الجثة .. وهو يحمل قليلا منها على صدره وقد حذره من الاقتراب منها من جديد .. ويسير في ردهة القطار.. ينادى على من يشترى ..أما الطفل يحول عيناه وقد احتبست فيها الدموع .. ليوزعها على الركاب .. ولسان حاله يقول ” ما ترونه هو ثمن أدفعها .. كلما أردت ان العب كالاطفال ” وكنت أبحث عن شيئا ما .. يخرجني من حالة الضجر هذه ..أخرجت التصريح الراقد خلف استمارة السفر .. ورحت أتأمل منظره .. وأقرأه للمرة الـ………….

أضف تعليقاً