حملت كعادتها أقفاص الطيور، اليوم موعد السوق و فيه الرزق الوفير، تبيع الدجاجات التي كبرت وارتضت ببقايا الطعام، فهي لا تقدر علي شراء علف الطيور، ضوضاء في البيت و عراكK لا غلبة فيه لأحد بين أفراخ الكتاكيت وأولادها الصغار لاينتهي حين يكبر الأولاد، تختبئ من وطأة الأيام خلف وشاح الصمت، تتراكم لديها الحكايات التي لا تبوح بها، تتدثر بالأمل لا ترهبها زخات المطر المؤلمة المتساقطة من سقف الحجرة، بعد أن زحزحت فرشة نومها ونوم الأولاد بعيداً عن تساقط المطر، لديها طاقة من الصبر تدفعها لإغلاق منافذ الوجع بإحكام، تتسكع على أبسطة الذكرة في زوج خطفه الموت في ضربة مؤلمة مع المرض، أحبته وأحبها كانت تشرق وتغرب فيه، ذاقت المرارة بعده وزارتها الكآبة، ستشتري الليمون الذي يحبه الأطفال فى شراب السكر وكل ما يشتهونه من شراب أو مأكول، أسئلة الأطفال لا تنتهي لماذا يموت أبي، وتموت السمكة إذا خرجت من الماء، ولماذا لا نرتدي الملابس الجديدة في العيد كباقي الأطفال ؟؟ تمتلى جعبتها بالأسئلة الصعبة التي تتشابه مع قسوة الأيام، تعد العشاء كل ليلة للأولاد والطيور، تنشر ابتسامتها وعطرها فى ماحولها، روحها مفعمة بالرضا و الطمأنينة لا تعرف الذبول، تواجه كل أنواع الشقاء، لديها طاقة من الحب ثابتة كحشائش الأرض، تحميها من الصدمات المفاجأة، تنتابها للحظات مخاوف نتيجة الإجهاد و الشعور بالوحدة، تكافح من أجل الصغار تخفي دمعاتها بعيداً عنهم، برغم محاولتها اليائسة في قبض الدموع، استجمعت قواها علي المواجهة حين دار بها الزمان واستدار، لا يغيب وجهها المشوب بالصفاء فى زحمة السوق، ابتسامتها مفتاح الرزق الوفير، الجميع يحبونها لا تجادل كثيراً، بعض باعة الطيور، يضعون أمامها أقفاص الطيور لبيعها و يقتسمون معها حصيلة البيع، لأنها الأكثر ابتساماً، وكأنها قرأت وهى التي لا تعرف القراءة والكتابة، الحكمة الصينية التي تقول :
إذا كنت لا تقدر علي الابتسام فلا تفتح متجراً،
كثير ون يطلبونها للزواج، لأنها مازالت تحتفظ ببقايا حسن و ملاحة، بالإضافة إلي حسن الخلق، و يظل الرجل المرتقب لا يأتي، وهي التي عاشت مع زوجها علي ضفاف الوداعة و موارد روحه، قلبه مثل الطير والورد لا يطلق إشرعته إلا في اتجاهات الفرح، افتقدت في رحيله انشودة البساطة، تقاوم ليل الرماد الطويل، تفتح الأبواب والنوافذ البعيدة كي يدخل الصباح حاملاً أنفاسه الجديدة، الأرض كانت واسعة أكثر اخضراراً وفضاء الكون أرحب، العيش كان أطيب الجار يحب جاره ويقص عليه الحكايات، يسأل عنه عند الغياب كانت البيوت آمنة دون باب أو حجاب، تعود إلي المنزل حاملة الحلوي للصغار
صابر سيذهب إلي المدرسة في الغد للمرة الأولي، ينتعل حذاءاً ومريول نظيفاً كالجديد .
و حقيبة تخلي عنها صاحبها حين انتقل إلي مرحلة تعليمية أكبر، سيشتري الحلوى له ولإخوته من أول مصروف يحمله، ثروات العالم أجمع عاجزة عن شراء ذلك الشريان الذي ينبض بالحب و الفرح الحقيقي كالذى
تحمله أم صابر، التي لا تدري شيئاً عن الأسئلة من حولها،
أين لبائعة الطيور رغم قسوة الأيام،
كل هذا الابتسام؟.

أضف تعليقاً