..نهضتُ باكرا على غير العادة، مع أول حركة صدرت عن أمي وهي تستعد للنهوض من الفراش لإعداد قهوة فطور الصباح المخلوطة بحليب البقرة.نهضتُ وفي نفسي حسرة من ليلة أمس التي خطفني نومها كغول تسلل مع بداية الظلام قبل أن يعود أبي، الذي حاولت انتظاره سدى، لأراه يأكل ذلك الطبيخ العجيب الذي رأيت أمي وجارتنا تعدانه دون أن تستطيعا إخفاء قلقهما من طارئ لاتتحسبانه، والذي لم تسمح لي أمي قطعا حتى بتذوقه، قائلة أنه لايصلح للصغار بل للكبار فقط كأبي، وأنه ليس أكلا بل دواءا يتناوله الأزواج كي يُرزقوا ذرية استعصتْ، الأمر الذي سيجلب لي أخا سألعب معه ولاأعود ألعب وحيدا بحسب ماقالت.! لكني قلت لها ببراءة:
– وهل لسان الحمار دواءا.!؟
فأدركتا أني سمعت مادار بينهما من حديث هامس مصحوب بالتفاتات مفاجئة توحي وكأن أذنا ما يمكن أن تنبثق في أي لحظة ومن أي مكان، رغم ادعائي الكاذب بصدق طفولي الإنهماكَ والإستغراقَ في اللعب بحمار من طين نفختُ فيه روحي الطفولية وجعلتُ امراءة من طين بنهدين بارزين تركبه، فكنتُ أرفع صوتي بين الفينة والأخرى:( الرّى، الشّى) علامة أني مستغرق كفاية في عالمي الصغير وفي غنى عن سماع مايدور بينهما، بينما كانت أذني تزداد رهافة، خصوصا بعد أن سمعت جارتنا تقول مطمئنة أمي:
– إنه صغير بعْدُ عن فهم الأمر.!
لكنهما أدركتا في الأخير أن الجني الصغير بحسب وصفهما فهم الامر، وعرف أن الغرض من لسان الحمار هو ان يصير الأب العنيد حمارا طيعا لبردعة تخيطها الأم؛ فأسرعت أمي غاضبة إلي، وأمسكت شفتي بأصابعها المرتجفة فيم ارتسم شر على وجهها لم أعهده من قبل، وقالت بحزم بالغ:
– إذا نطقتَ لسان الحمار أمام أبيك أنزع لسانك وأرميه للقطط.!
لكن جارتنا أسرعت وراءها، ونزعت شفتي من أصابعها، ثم ضمتني إليها، وقالت مداعبة إياي وموجهة كلامها الى أمي:
– دعيه، هو لن يقول، هو ليس ( شكاما)، و( الشكام) الى جهنم. دعيه، سأجلب له الحلوى كلما زرتكم ولن يقول.!
ثم التفتْ إلي وقرصت خدي قائلة:
– لن تقول شيئا لأبيك، أليس كذلك؟
اكتفيتُ بهز رأسي..
– سأجلب لك الحلوى، كثير من الحلوى.!
– لن أقول..!
– إتفقنا..؟
هززت رأسي مرة أخرى موافقا، ثم باستني وتركتني وهي تعاتب أمي على قسوتها المتسرعة والتي يمكن أن تدفعني الى عكس المبتغى.! بينما أضمرتُ عزما لايلين على الأكل من ذلك الطبيخ الذي من لسان الحمار ومواد أخرى لاأعرفها وليس تذوقه فحسب، فإذا كان أبي سيصير حمارا ببردعة بعد أكله، والذي جعلتني رائحته القوية أجزم أنه سيفعل، فمن الأفضل لي ان آكل منه وأصير جحشا برفقته، ولابد أن أصير جحشا لأني أصغر من أن أصير حمارا.! وهكذا غافلتُ امي بعد ان خرجت تودع جارتنا التي أغذقت علي القبل والوصايا والوعود بحلوى كثيرة، وأكلتُ من الطبيخ المحرم عليّ بسرعة وعلى خوف.! لهذا ماإن فتحتُ عيني من النوم حتى أسرعت بالنظر الى يدي: ماإذا كانت قد صارت كقدم الجحش الأمامية، بل ومددت يدي لأتلمس ماإذا كانت قد نبتتْ لي أذن كأذنه، ولم أكتف بهذا وناديت على أبي النائم لأتأكد أن ماسيخرج من حلقي كلام وليس نهيق جحش صغير، ولما أيقنتُ أني لم أصر جحشا بعد، وأن أبي أيضا لم يصر حمارا بعد، وأن المسألة مسألة وقت ليس إلا، عانقتُ أبي خائفا متمنيا لو أن الأمر لم يحدث من بدايته، ففتح عينيه الدافئتين ونظر إلي مبتسما، وقلت له بنبرة على وشك البكاء:
– لن ننام متعانقين بعد الآن ياأبي.!
ضمني إليه أكثر وقال بحنان واستغراب:
– ولما ياإبني..!؟
– ستصير انت حمارا، وأنا سأصير جحشا ياأبي، والحمار لايعانق جحشه.!
وأجهشتُ بالبكاء..

أضف تعليقاً