قفزْتُ من سطحِ القاربِ إلى الأعماقِ، وهل كنتُ أملكُ غيرَ ذلك؟.
أصرَّ صديقِي على اصطحابِي في جولةٍ بحريةٍ سريعةٍ، ساورنِي القلقُ؛ لأنِّي لم أكنْ أجيدُ السباحةَ. بعدَ ترددٍ تصنعْتُ الطمأنينةَ؛ لأنَّ صديقِي سباحٌ ماهرٌ حائزٌ على عدةِ ميدالياتٍ. أكدَّ لِي أنَّنا لن نتوغلَ كثيرًا، اكتريْنا قارِبًا خفيفًا، جلسْتُ على أحدِ طرفيْهِ؛ وجلسَ صاحبِي على الطرفِ المقابلِ؛ مُمسِكًا بِالمجدافيْنِ بِاحترافٍ، وانطلقْنا بِمحاذاةِ شاطيءِ ميامِي، الشمسُ الحانيةُ والهواءُ العليلُ ساهمَا في مُضاعفةِ المُتعةِ، الناسُ متناثِرُونَ على مرمَى البصرِ زرافاتٍ ووِحدانًا، والماءُ صافٍ والموجُ هاديءٌ. ضحكاتُ الأطفالِ تتطايرُ إلى أسماعِنا مع رذاذِ حركةِ المِجدافيْنِ، دُرْنا حولَ ربوةٍ صخريةٍ على بُعدِ عشراتِ الأمتارِ من الشاطِيءِ؛ ينتهِي إليها السباحُونَ المهرةُ؛ ثم ينتشرُونَ على سطحِها العريضِ الناشزِ؛ يستريحُونَ تمهيدًا لِلعودةِ؛ أو يتلذذُونَ بِدغدغةِ الشمسِ لِلملحِ العالقِ على أجسادِهم. تناولْنا بعضَ المأكولاتِ والعصائرِ؛ وتجاذبْنا أطرافَ الحديثِ عن أحلامِ الشبابِ وآمالِ المستقبلِ، شدَّني حديثُهُ الشيِّقُ؛ ولم أنتبِهْ إلى ابتعادِنا. فجأةً انتصبَ صاحبِي واقفًا كأنَّما لدغتْهُ حيَّةٌ؛ ونظرَ إليَّ نظرةً غريبةً؛ برقَتْ معَها عينَاهُ؛ وارتسمَتْ على شفتيْهِ ابتسامةٌ مُخيفةٌ. تركَ المجدافيْنِ جانبًا، وأمرَنِي بِالنُّزولِ إلى الماءِ… بدا لِي كماردٍ أسودَ غليظِ القلبِ؛ ينوِي تعذيبِي بِمعزلٍ عن أيِّ نجدةٍ. حاولْتُ أنْ أسبرَ أغوارَهُ؛ لكنِّي لم أفلحْ في معرفةِ قصدِهِ. جربْتُ أنْ أُثنيهِ عن فكرتِهِ الجَّهنميةِ مُتعللًا بِجهلِي بِالسباحةِ بعيدًا عن الشاطِيء؛ لكنَّه صمَّ أذنيْهِ عن توسلاتِي، وبدأَ في أرجحةِ القاربِ بِقدميْهِ بِالتبادلِ؛ وهو يقهقِهُ ويصيحُ:
_لن تتعلمَ السباحةَ إلا بِمواجهةِ مخاوفِك!
مسحْتُ المكانَ بِناظريَّ؛ لم يكنْ بِالجوارِ ثمةَ مخلوقٌ اللهمَّ إلا حلقةٌ من الشبابِ والفتياتِ؛ يبدُو أنَّهم انتبذُوا مكانًا قصيًّا بعيًدا عن مضايقاتِ المتطفلِينَ. أحسسْتُ بِزلزالٍ تحتِي؛ وبدأَ الماءُ يلامسُ جسدِي. فوقفْتُ مُترددًا؛ ورجوتُهُ أنْ يكفَّ عن مزاحِهِ السخيفِ. لم يزدْهُ استعطافِي إلا عُتوًّا؛ فقررتُ القفزَ بِاختيارِي؛ لِأحرمَهُ من لذةِ قلبِ القاربِ بِي، رحلْتُ إلى المجهولِ غائِصًا في الأعماقِ المظلمةِ، أحسسْتُ طعمَ الملحِ؛ والماءُ يندفعُ إلى جوفِي رغمَ أنفِي، أيقنْتُ بِالهلاكِ؛ فانتفضَتْ كلُّ عضلةٍ في جسدِي فَرَقًا من الموتِ، مرَّ شريطُ حياتِي كامِلًا أمامَ عينِي في ثوانٍ معدوداتٍ، تناهَى إلى سمعِي بينَ طفوِي وغوْصِي المتعددِ صرخاتُ الفتياتِ، ولمحْتُ القاربَ مقلوبًا؛ وصديقِي متسمِّرٌ بِجوارِهِ؛ بدأَتْ قوايَ تخورُ؛ والصرخاتُ تتحجرُ في حلقِي؛ وأنا أغوصُ في وضعٍ رأسيٍّ. أحسسْت بِيدٍ؛ تطوقُني من الخلفِ، فاستسلمْتُ لِمُنقذِي، وعلى الشاطِيءِ أعدتُ إلى البحرِ ما تسللَ إلى جوفِي من مائِهِ، وجاءَ صديقِي ممتقعَ الوجهِ نادمًا أسِفًا.
ليسَ هذا ما يُقلقُنِي الآنَ؛ فقدْ حدثَ كلُّ ذلك في الصيفِ الماضِي، لا أدري كيف استدرجَنِي اليومَ إلى هذا القاربِ المشئومِ؛ وها هو ينتصبُ أمامِي كالماردِ؛ وتلمعُ عيناهُ من جديدٍ.
- بريقٌ
- التعليقات