..وأخيرا تنفستُ الصعداء، بعد أن عدت إلى منزلي، وإسترخيتُ وراء مكتبي، فاتحا خياشيمي على مصراعيها لرائحة قهوة أعددتها على عجل. لقد مرت الأمور بسلام، ولم يحدث الذي كنت أخشاه، ولم يتمخض المهرجان الخطابي عن فضيحة، بل مر الخطاب في أجواء حماسية وسط أمواج من التصفيق والصفير، ولم يهتم أحد للخطاب الذي كُتِب بصيغة الغائب، إذ بدا الزعيم وهو يلقيه كمن يتكلم عن شخص آخر غيره، وأنا بنفسي لم أنتبه لضمير الغائب الذي كتبتُ به خطاب الزعيم في أوج حملته الإنتخابية، إلا عندما شرع في إلقائه. فهزتني قشعريرة حادة وعميقة وغشاني إرتباك فظيع كما تملكني الخوف الشديد، لكن لما تعالى التصفيق عاصفا والصفير حادا عاد إلى نفسي بعض من الهدوء، ورحتُ أصفق في غمرة المصفقين بل وحاولت الصفير فلم أفلح.! لقد كنت على عجلة من أمري، وكان علي أن أكتب أكثر من خطاب لأكثر من زعيم، بعد ان صرت أشهر كاتب خطابات في المدينة، وصار مكتبي قبلة للراغبين؛ ومع حلول موسم الإنتخابات إزداد الطلب على خطاباتي ومن أعلى المستويات، مما شكل فرصة ذهبية لغرف أموال لم اكن أحلم بها من قبل. لقد كنت كالتاجر الشره الذي يحاول أن يأخذ كل الأوراق المالية من أيدي الزبناء بيد واحدة ودفعة واحدة، لهذا لم أنتبه إلى الخطاب الذي كتبته بصيغة الغائب، رغم أني راجعته مرتين.! لكن الأمر مرّ بسلام، ولم ينتبه أحد، وحتى وإن انتبه أحد فإن غبار التصفيق والصفير كان كفيلا بان يغلق كل العيون. ولربما إنتبه أحد وسارع إلى إذكاء الحطب في موقد التصفيق والصفير كي يستعرا ويغطي دخانهما على الفضيحة.! المهم مر الأمر دون فضيحة كانت كفيلة بتمريغ سمعتي، التي كسبتها بعرق خطبي، في الوحل مرة وإلى الأبد، وهذا مايتمناه حسادي أشباه الكُتاب الذين يسرقون من يراع قلمي.. بل قل أن الفضيحة الكبرى التي تجلت في زعيم يشتري خطابا بصيغة الغائب ليلقيه، ويلقيه فينال عاصفة من التصفيق والصفير تعطي الحملة زخما إضافيا، هذه الفضيحة الكبرى غطت على فضيحتي الصغرى، وبينت لي أن الحضور كله كان في صيغة الغائب، فرُحْتُ أفكر في خطأي الذي بدا لي أقرب إلى الصواب، بل صوابا، لأنه تجديد في صيغة خطب الزعماء التي ظلتْ تجتر ضمير المتكلم طويلا، ونحن نعلم أن الزعيم الذي يخطب هو شخص آخر حين يتخذ القرار؛ وتماديتُ إلى أبعد، وخطر لي أن أكتب خطبة الزعيم التالي التي تنتظر دورها بصيغة الغائب أيضا.. لكن رنة رسالة نصية إنبعثت من الهاتف فجأة شدتني من إسترخائي الهادئ، وجعلتني ألقي نظرة عليها، فقرأتُ:
( نشكره جزيلا على خطبته التي أوفت بالمطلوب وزيادة، ونخبر سيادته أنه قد جرى صرف مستحقاته المالية كماهو متفق عليه، وأنه تسلمها وبه وجب إخباره والسلام.!)
حينها أدركت ان الأمر لم يمر بسلام كما ظننت، وأيقنت أني ذهبت ضحية لصيغة الغائب، ولم أعد أعرف أذاك الجالس على الكرسي وراء المكتب أنا أم هو.؟ وغشيني الظلام رغم ان المصباح كان يشع ضوءا.!
- بصيغة الغائب
- التعليقات