..كان لابد أن أهرول، في جملة المهرولين، إلى مركز الجماعة القروية، حيث سيحضر البوليس من المدينة لتقريب خدمة إنجاز بطاقة التعريف الوطنية من الساكنة، إذ في الأمر فرصة لتوفير مصاريف التنقل إلى المدينة لأجل ذلك، وغالبا لاتكفي مرة واحدة مما يضاعف المصاريف ووقت الإنتظار وحرارة الزحام الخانقة. فكان لابد أن أبكر بالذهاب كي أحجز دوري في المراتب الأولى من طابور الإنتظار، والذي كنت أتوقع أن يكون حاشدا مادام المتسع الزمني الذي لن يتعدى حدود نهار واحد لن يكفي أعداد المنتظرين، إذ سيسعى غالبية الناس لإغتنام الفرصة القريبة لتجديد بطاقة التعريف أو الحصول عليها لأول مرة، وإن لم أكن لأفهم ماضرورة ذاك التجديد، مادمنا نحن هم نحن وعلى حالنا باقون لم نغير لاأسماءنا ولاملامح سحناتنا ولاتواريخ ميلادنا أو أماكن سكنانا، لكن إذا نفخ في الصور فلابد من الحضور.! لهذا ماكان من بد أمامي إلا التسابق في غمرة المتسابقين، رغم علمي أني سأقضي واحدا من النهارات القبيحة بين أيامي، نهار متوجس، مرتعش، متوتر، أضمحل أثناءه إلى كومة إحساس في صدر متسول قذفته الأقدار إلى عتبة باب ترن الرهبة من صوت مفاتيحه، إذ ظللت أشعر بالإغتراب والرهبة كلما وقفت أمام بناية الجماعة، وكل البنايات التي تشبهها، ولم أحس يوما أنها امتداد لساحة داري ومسالك الدوّار، وبقيت غريبة رغم أنها تقع على ذرات نفس التراب.! ورغم كل ذلك، أو بالأصح حملتُ ثقل كل ذلك، وأبكرت بالذهاب، وأسرعت علّي أُفلتُ بجلدي الحساس من احتداد الزحام الذي لاأطيقه، وأكون بين أوائل المنصرفين من أمام ذاك الباب الغريب، حيث يمكنني لحظتها التنفس ملأ رئتي.! لكن رياح الزحام أبت إلا أن تأخر شراع مسعاي الذي أقلع باكرا، إذ كان آخرون قد أبكروا بدورهم لتحاشي الزحام والإنتظار الطويل الممل، مما أدى إلى إبكار الزحام بدوره، كما أبكر الذي كنت أخشاه الحضورَ إلى نفسي أيضا. فلعنت حظي، لعنت نفسي، لعنت الجماعة وبطاقة التعريف، طبعا في سري، بل وتماديت، مع ارتفاع حرارة التدافع في الزحام، ولعنت والديَّ اللذين خلفاني ذكرا وحيدا بين أخوات كن يفتحن الطريق لي كي أمر، ولم أحظ بإخوة يزاحموني وأزاحمهم لأكتسب قدرة ومناعة أمام الزحام؛ والديّ النكرتين اللذين لم يخلفا لي لاأخا ولاركيزة أستند إليها في وقت الشدة والزحام، فكانا غير محسوبين، ومثلهما كنت غير محسوب وعاريا بلاركيزة ترفع فوقي سقفا مهما كان واطئا، آخْ كم حاولت التقرب من ” لَمقدّم” وهو كما تخيلتُ أقرب ركيزة ممكنة إلى يدي القصيرة، لكن الزحام حوله أيضا كان على أشده، وبقيت نكرة إبن نكرة، وبئس الميراث.! لهذا لم أجد في متناولي أي واسطة تغنيني عن التدافع الذي لاأطيقه وعن طول الإنتظار، لأكون في جملة المحظوظين المحسوبين الذين تمتد إليهم الأيادي لتتسلم الوثائق اللازمة وتُسَرّع في وقت قضاء الغرض؛ كما لم أجد القدرة في نفسي على احتمال الزحام الذي صار، مع احتداد الفوضى داخل الجماعة وفي ساحتها، تدافعا وتسابقا لقطيع ضخم من الأجساد في إتجاه الباب المحروس، قبل ان يرتد إلى الوراء عقب دفعة قوية من يد غليظة يتبعها صوت غليظ مستفسر في استهزاء واستنكار: متى تتعلمون النظام أيها…، وتضيع الكلمة التي لابد أنها شتيمة في سحابة اللغط المتصاعدة من جديد. وفي غمرة التقهقر قد يسقط بعض الذين قرب الباب على ظهورهم فيُسقطون معهم الذين وراءهم، وهكذا دواليك، بينما يبتعد الذين في مؤخرة الحشد مزيدا إلى الوراء فاسحين في المجال للذين قبلهم للتقهقر او السقوط على الظهر، وقد تسقط امرأة على ظهرها وبين أحضان الرجل الذي كان وراءها ويسقطان معا، وربما يلف ذراعيه حول خصرها ويحاول تأخير نهوضها أطول فترة ممكنة، وإن إحتجتْ عيّرها بثقلها الزائد الذي كاد أن يفقأ بطنه ويتهمها بأنها هي التي سقطت عليه أولا وأسقطته معها؛ وبعد أن تهدأ المشاحنات والمناوشات حول من أسقط من، إذ يقول المتأخر أن الأول سقط عليه كالقدر وأسقطه معه، فيم يرد الأول أنّ المتأخر ترك قدمه وراءه فأسقطه عليه، بعد هذا يلملم الحشد أقدامه المتنافرة والمتصادمة ويعاود الإندفاع، متعثرا بين بعضه، إلى الباب المحروس مرة أخرى، ويشتد التزاحم على مقدمة الحشد، حيث لايتبقى هناك أثر لدور او صف أو نظام، ويعبق الهواء برائحة العرق..والضيق.! وهكذا وجدت نفسي،مع كل موجة كر وفر أمام الباب المحروس، أتقهقر خطوات إلى الوراء، إلى أن صرت معلقا في ذيل الحشد دون أمل في قضاء الغرض بالمرة، وكان أمامي شخص بدا لي من هيئته الرثة وسحنته الشاحبة والمغبرة ونظراته الخائفة أنه يخشى الزحام أكثر مني، ولايشكل عقبة أمامي للتقدم مرة أخرى درجة في مؤخرة الحشد.! فركبتُ موجة تدافع تالية، وأزحته من مكانه، وقلت له، بعد أن مددنا بيننا حبل الحديث، وأنا أشير إلى الكل: إنهم كالأغنام، ومثلها يتدافعون..! ونظرتُ إليه نظرة تواطء تقول: إلا أنا وأنت، ثم واصلت القول بينما عيني ترمق السماء بين الرؤوس المتناطحة: كما يقول المثل ( التالي زهْرُ عالي)، فارتسم على شفتيه الناشفتين شبح ابتسامة ولم يرد، وقلت في سري: عالي بمعنى مرتفع لن تطاله يد الأخير القصيرة، بينما كنت آخذ مكانه في مؤخرة الحشد المتلاطم.!.

أضف تعليقاً