..احكمتُ لَيَّ يدي ورجلي حول جذع النخلة. أخذتُ نفسا عميقا، فيما عيني الجائعة مركزة على التمر.! الصحراء تحتي، والتمر فوقي، وانا بما تبقى لدي من طاقة أدب، صعدا، حول جذع كأنه من مطاط لايكف عن التمدد.! تمنيتُ لحظتها لو كنت قردا..بل فكرت فيما عسى يمكنني فعله لأمسخ قردا..نبشتُ في ذاكرتي عن كل الحكايات التي روتها امي عن بشر مسخوا، علّي اجد نموذجا يحتذى، لكن دون جدوى.! آخ، لو كان في متناولي إناء لبن، لتوضأتُ منه كما في الحكاية، وصرت غرابا، مادمت لا استطيع ان أُمسَخَ قردا، فلابد ان تكون هناك جيفة ما في مكان ما.! لاشيء من هذا، ولا من ذاك، فقط اطراف متعبة معوجة تلتف في قهر على جذع خشن، وعين معلقة بخيط نظر جائع في تمر يتناءى كلما جرجرت جسمي صعدا.! لم اعد اعرف منذ متى وانا ادحرج صخرة جسمي الجائع على جذع يتمدد.! ربما وُلِدتُ هنا..او خرجتُ من تشققات اللحاء كحشرة..لم اعد اعرف بالضبط ما حدث.!! كل ما اعرفه ان الصحراء تحتي، والجذع امامي، والتمر فوقي يزداد علوا في عناد ارعن.! هل هي لعنة حملتني كزوبعة غبار.!؟ ليتها كانت لعنة، واكتملتْ. لعنة لم تجهض، لتلد مسخا.! هذا ما كنتُ ارجوه.! لكن، من اجهض اللعنة.!؟ اي لعنة تلك التي تجهض لعنة حابل.!؟
كل اللعنات المنثالة من لساني المتخشب، لم تدفعني قيد انملة على الجذع، ولم تقرب التمر من يدي مقدار شعرة.! تمنيتُ لو املك طاقة تكفي لاعاند هذه النخلة المتسامقة كل لحظة، وادفعها الى حدود السماء، حتى يتسنى لي القفز الى فضاء ارحب، ولا اعود بالمرة الى ارض ملعونة.! لكن، عبثا، حاولتُ استجماع ما تبقى من طاقة، وإحكام شد يدي ورجلي حول الجذع الارعن..رأيت التمر ألسنا شامتة يتدلى لعابها علي في لذة سادية. ارتفعت موجة دوار في رأسي. صارت يدي مجرد اكمام رخوة..احتبستْ صرخة في حلقي الناشف. وسقطتُ كثمرة فاسدة.!
بعد ان استعدتُ وعيي الممرغ، نظرت حولي. لمحتُ تمرة ساقطة بقربي، فيما كانت الصحراء تقهقه، بدتْ لي نقطة ضوء بعد طول تيه في ظلام حالك.. مددتُ يدي إليها، بسرعة خاطفة، كأني اسابق يدا منافسة. تناولتها لألقمها فمي الجائع. لكن يدي لم تطل فمي، صارتْ اقصر.! تركتُ التمرة تنزلق من كفي، في يأس. وبعد ان سقطتْ على الرمل، نظرتُ حولي في جزع، واخذتُ وضعية دابة صغيرة، ثم احنيتُ رأسي، وتناولتُ التمرة من بين الرمل والغبار كالدابة تماما..لقد مُسختُ، لكن بعد فوات الاوان.!

أضف تعليقاً