في قرية منسية، تتداعى مساكنها الطينية كعظام بالية، تفوح منها رائحة الإهمال. أقامت أم الخير ونجلها بلال، طيفين شاحبين ينطقان بالعوز. عيناها الغائرتان قلقًا تستشرفان الأفق، بينما تومض في عيني بلال بارقة أمل واهنة، يتشبث بردائها البالي كغصن يائس.
في ليالي الجدب، يعوي الهجير بين الدروب المقفرة كجوع ذئب. تضم أم الخير جسدها النحيل حول وليدها، تحميه من صرير الليل وهمس الخوف المتسلل من جدران المسكن المتصدع، وتستعيد في صمت مرارة أرض قاحلة وذبول أعمار، ومستقبلًا يائسًا.
ذات ليلة، استعر العويل حتى اهتز الكوخ. شعرت ببرد يخترق عظامها، ورأت في الظلام أطيافًا متوهجة تمتد نحو طفلها النائم. أحست بقوة تنتزع دفئه، وصدى كلمات أبيها عن الصمود يتردد في أعماقها.
صرخة أمومة مدوية مزقت سكون الليل، إعلان عن بقاء أعمق من الكلمات، كروح تنازع الموت من أجل فلذة كبدها. ضمته بضراوة كأنها تتوحد به، جزءًا من وجودها عصيًا على الفناء. نظرت إلى عينيه المغلقتين، رأت فيهما شعلة الرجاء الوحيدة في هذا العالم القاسي، جذوة ضئيلة يجب أن تحميها بكل قوتها.
فجأة، ومع ذروة نحيبها، توقف العويل وتلاشت الأطياف كزوال الليل مع الفجر. ساد صمت أثقل من الفقد يلف المكان المتصدع والمظلم. لكن قوة خفية سرت في عروقها، إرادة حياة متأصلة. استقام ظهرها وشعرت بدفء يسري في جسدها.
في الصباح، عندما أشرقت الشمس شاحبة كدمعة معلقة، حملت بلالًا على ظهرها بعزم جديد، وودعت بصمت وهدة ابتلعت أحلامًا كثيرة، ونظرت إلى الأمام بعينين تقدحان إصرارًا خفيًا.

أضف تعليقاً