ودعت الشمس أرض أمن بلا أمان لتخلفها عتمة لم تملأ الأرجاء فقط بل استوطنت القلوب والنفوس، سكون رهيب بالشوارع شاهدة عليه أعمدة الكهرباء فلا إنارة منذ مدة وعندما تحضر تغدو كالهلال ما إن تشرق حتى تغيب ولا يبقى منها أثر..شاهد عليه الزمان والبشر ولم يترك في الأحرار أي أثر ولم تؤخذ منه أية عبر.
نامت جرها الحنين إلى حلم مد يده للواقع، أفاقت مخطوفة تمد يدها لتمسك به وهي تنادي بني…لكنه اختفى مع الحلم. نهضت مسرعة تلتحف شالا يقيها قسوة البرد واتجهت مباشرة إلى الباب تمشي كاللصوص كي لا يفيق زوجها ويمنعها من الخروج، لكنه اعتاد النوم متيقظا هذا إن كان يرافق جفنيه النوم خوفا عليها فهي على تلك الحال منذ سبعة سنوات. أسرع إليها ومنعها من المغادرة قاومت بشدة بينما كان يمسك بها بقوة فراحت تضربه بمرفقيها وتقول كان الأجدر بك أن تأتي معي لإحضاره لا أن تمنعني…أكرهك…أكرهك…لقد تأخر في العودة…علي إحضاره، عليه العودة للبيت… بينما هو اكتفى بالدمع وفقط فلو استطاع فعل شيء لفعله منذ سنوات وكل ما كان يخبرها به أن ابنهما حي ففكرة الموت كان يرفضها عقلها وقلبها رفضا تاما، لقد بقيت حبيسة لحظة خروجه وانتظار عودته ذلك اليوم لما نادى عليها برفق وهو يتقدم منها أمي…أمي…التفتت مسرعة خائفة مرتعبة وخوفها عليه غير منقطع مذ ولد ولم لا فهم يعيشون مسلسل رعب متواصل.
أجابته متلهفة أن تعرف أخباره وتستفسر عن حاجته وهي تنحني إليه وتمسح على وجهه، بني…فرد كطائر صغير قد أتعبته ساعات تعلم الطيران…أنا جائع أمي…احتارت بأن سرحت برهة تلتفت بعينيها يمينا وشمالا بينما راح عقلها يفكر ويدبر في شيء يسكت جوعه فالمطبخ خال منذ أيام وكل ما كانوا يقتاتون عليه إنما هو بفضل تدبيرها.
لا نقود إذ لا عمل كما ليس لها من أين تشتري إذ الحصار من كل الاتجاهات وفي كل الأمكنة وطلق الرصاص ودوي المدافع مع كل ثانية، ورائحة البارود والأدخنة ملأت الأجواء وتجمعت في تلك الصدور الحزينة التي ما عرفت أرواحها ولا قلوبها السكينة مذ تحولت الأرض إلى جحيم وأرواح لنجاتها تهرب وأخرى في هروبها من أجسادها تسلب. وإن دل هذا على شيء فإنه يدل على أرض قد مالت للمغيب وهي تغيب تدنو من اللهيب والدم يسيل والدمع يسيل وقد تعالت أصوات العويل والكل يسأل متى ينتهي هذا الكابوس الطويل لتصحوا الأرض من غفوتها وترفع رأسها لإشراقة مجد جديد.
أسرعت إلى خزانتها أخرجت بعض القطع النقدية عدتها جيدا فهي كل ما تملك وضعت في يده قطعتين وأوصته بإحضار رغيفي خبز والعودة بسرعة مؤكدة عليه ذلك عدت مرات فطمأنها وخرج.
وبينما هو في طريق العودة اخترقت رصاصة صدره وتلتها العشرات كأنما هو انتقام من براءته وسقط كطائر يسبح في دمائه وتغمس الخبز بالدم ليأكل المتعطشون للدمع والدماء مع أنهم غير جياع وما كانوا ليشبعوا، حتى أن اللون الأحمر أصبح يثير شهية الجيوب ويخمد نشوة القلوب. هبت ريح قوية فتحت نافذة غرفته على مصراعيها كما لو أنها تعلن رحيله وطوت صفحات كتاب التاريخ فوق طاولة خشبية قديمة فقد كان يراجع دروسه رغم تدمير مدرسته وفي صوت طيها رثاء له وتدحرج القلم إلى الباب كأنما يحاول منعه من الرحيل ليقف عند قدمي أمه التي ما إن تناولته وأغلقت النافذة حتى سمعت أصوات أصدقائه ينادون عليه فالتفتت إلى الباب تضع يدها على صدرها وما هي إلا لحظات حتى وصلها خبر استشهاده لتقع أرضا مغمى عليها ولما أفاقت طلبته ولم تجده ومنذ ذلك الحين وهي تنتظر عودته ولا تضيع فرصة للبحث عنه.
أمام مقاومتها الشديدة هذه المرة قرر إخبارها أن ابنها ذهب ولن يعود وهو ليس عند الأعداء إنما يرقد بقبر صغير صغر عمر العشر سنوات وطلب منها أن تصدقه هذه المرة وتعي الأمر فمنه لا مفر وانهار باكيا إنما هي دموع الوجع والعجز يا حبيبتي فصدقيني هذه المرة واكرهيني لباقي العمر المهم أن تصدقي، تحجرت في مكانها اختفى دمعها وتلاشت جميع حواسها وكأنها تسمع الخبر لأول مرة لكنها صدقته لأول مرة. دنت منه في صمت رهيب وطلبت منه أخذها لقبره في تلك الساعة ففعل. ولما وصلت جلست إليه وفي حزن وأسى راحت تقول بني…إن السحاب يرقص والطيور ترقص…والأشجار ترقص…وكل شيء يرقص…وأنت هنا دون حراك…حتى إن الظلم قد كبر وصار له شاربان وأضحت كلمته مسموعة لا ترد ولا تهان…صار له ساعدان قويان يضرب بهما الحق بالباطل وأنت ترقد هنا صغير…
عادوا إلى البيت وقد لاحت خيوط الفجر، أوت إلى فراشها دون أن تنام وقد سرحت في تفكير عميق صاحبه استسلام تام برحيل ابنها رحيلا أبديا وكانت تسيل دموعها تارة وتجف تارة أخرى حتى اشتد بكاؤها ما جعل زوجها يسرع إليها ويبقى بجوارها ضاما رأسها إلى صدره يحاول تهدئة روعها، أحست بعطش شديد وطلبت منه ماء فلم يجد في البيت قطرة واحدة، أسرع إلى للجيران للعودة ببعض الماء وأثناء غيابه لاحظت الباب مفتوح فمسحت دمعها وراودتها فكرة استعادة ابنها من جديد وخرجت راكضة كي لا يراها زوجها فيمنعها من جديد. ركضت وركضت وقعت وتجرحت يداها وما أهون ذلك الجرح على جرح نمى يوما بعد يوم بقلبها طيلة سبع سنوات ولا يزال ينمو ويعصر روحها ويقطع شرايينها جرح يميتها ألف ميتة في اللحظة ويبقيها على قيد الحياة ليقتلها أكثر ولينال من جسمها الذي أضحى هزيلا أكثر فأكثر. وكيف تداوي الجرح والدواء نزيف في نزيف، كيف تنساه وصورته محفورة في أعماقها قبل ذاكرتها لا ترضى أي تناس أو تحريف، وإن أخبرت الحقيقة تبقى مجرد تخاريف لم يمت ولن يرحل عني وسآتي به سأعيده إلي وسترون كيف، سترون كيف سأضمه إلي ثانية وسأثبت لكم أن كل ما تقولونه مجرد زيف فلستم صادقين بأي حرف فابتعدوا عني سأذهب إليه لأعيده لأضمه وأقبله فلا يتملكني تجاههم أي خوف.
سارت والشمس تعيق ناظريها اعتمدت على ظل يديها لترى خاطفي كبدها، سارت بابتسام قادتها صورة ابنها التي كانت مرسومة في الأفق طول الطريق، وما إن تبين لها الأعداء حتى تجهم وجهها وصار يفيض غيضا لم تجد من شيء تتسلح به سوى أن حملت حجرا وتقدمت نحوهم لتطالبهم بإعادة ما أخذوه منها لكن صوت رصاصهم كان أسرع وأسبق من صوتها ومفعوله كان أكبر من حيلتها.

أضف تعليقاً