لم تتخلف يومًا ـ من زمنٍ بعيد ـ عن وُرودِ مِقعدها الحجري أمام البحر، ترنو للأفقِ ببقايا عينٍ، تُجاهد الشمسَ، تدفعُها بيدها الواهنة ؛ كي لاتغيب قبل أن يُعاود.. قُرب رصيف الميناء، في مقهى البحَّارةِ يلتفُّ شبابُهم حول شيخِهم، يستحثونه ليزيدهم من حكايا عذراء المرفأ؛ فتغيم عيناه قليلاً، ويطلق تنهيدة حارة، ثم يحكي … حتى إذا دنا الغروب غادرهم متعجلاً، يجِدُّ الخُطَى إليها ..
يرنوان معًا ـ في صمتٍ مقدسٍ ـ نحو القرص الأحمر، وقد ألقَى وشاحه على الماء والسماء؛ يودعهم إلى الأعماق .. عندها تحمل قنوطها وحسرتها وتحاول النهوض؛ لكن ضعفها يخذلها .. يمد يده إليها، تتشبث بكتفه المتقوس تتوكأه حتى عُشَّها ..
ما أن تدلف من الباب حتى تلتفت إليه؛ فتجيبه قبل أن يتفوه بسؤاله اليومي:
ــ أضعتَ عُمْرَينا .. لاتطلب السماح .. لم أعد أراك هو .. وتولِّي وجهُها صوب الإطار المُغَبَّرِ الراقدِ على الجدار المقابل تستقبل ابتسامةً تركها يومًا ما ؛ وأبحر..
ذات صباحٍ غائمٍ تتسلل زهرةُ صبارٍ صفراءٍ ـ مخترقةً بقايا أوراقٍ مهترئةٍ، محا البحرُ مِدادَها ـ لتنام فوق المِقْعدِ الحجري ..، وخلف إحدي مطلَّاتِ المقهى يتحلَّق البحَّارةُ حول المِقعدِ الباردِ واجمين، ومابرحتْ عيونُهم ترنُو للرصيفِ ؛ تُتابعُ العابرين، وقرص الشمس ..

أضف تعليقاً