حاليا..في ظل الكورونا ، لا فرق بين رجاء صديقتي التي تسكن في حيفا ولا إبني ايمن وعائلته الذين يسكنون في الطابق العلوي لبيتي في مجد الكروم ، كما انهم ليسوا باقرب ممن يسكن في الجزائر ، أما أنت يا صفية صديقتي الدمشقية فأقول لك : بانك قرببة جدا يا اختي الغالية، قريبة مني ومن أبا علي في مدخل البلد الشرقي وفاطمة أختي التي تسكن عند المفرق الغربي للقرية جميعكم من دمشق إلى بغداد إلى تونس ومصر حيث انت دكتورة نجوى . قد شاهدت صور فرح ابنك وباركت لك حين رزقتم بأول حفيد وما زلنا نتكلم عن بعد، نتبادل الصور والرسائل الصوتية والفيديوهات التي نحرص على أن تكون مضحكة وتافهة في الفترة الأخيرة لأننا نريد أن نخلق اسباب التواصل ..ولنأخذ شهيقا عميقا يفك بعض القلق الرابض على صدورنا .
حين نلتقي لا عناق ..هكذا حذٌرني حفيدي سعيد فضحكت بسرور على تحدثه بالفصحى واخترت إطلاق تحذيره على حروف هذا النص ، كان الصغير محقا وحكيما ملتزما.. أما فراس الحفيد ألأصغر فاكتفى بالابتسام والوقوف بعيدا محافظا على المسافة بيننا ريثما أمنحه عيديته أنا وجدٌه الذي نفحه بعض المال ..العيدية هكذا حاف خذها واشتر لنفسك ما تحب، أو ضعها في الحصالة فأنت تجلس في البيت في الوقت الحالي . احتفال فراس بعيد ميلاده كان مع أصدقائه على الزووم فأرسلو له الرسومات والصور المضحكة والقبل والمعايدات، كلها على الزجاج وراء الشاشة، حتى تلك القبلة البريئة التي ارسلتها له زميلته الصغيرة في الهواء وهي تقول له : فراس اشتقت لك ، مما جعل فراس يفر إلى الغرفة الأخرى ويختفي محمر الوجه لبعض الوقت ، ترى هل يعيش هذا الجيل تجارب الحياة على نحو مبكر جدا ؟ حتى احمرار فراس كأنه ضُبِط مع تلك الطالبة الطفلة البريئة ؟ ويوسف قارئ القصص المبدع الذي ألقي التحية من بعيد، أما أنا فأنستني لهفتي الحرص والابتعاد لشدة ما شدني التوق لأداعب أذنه التي اعتدتةأن أقرصها بخفة فتذمر بتصنع وهو يقول : ستي .. ستي ..وابتعدنا بمرح كان مصطنعا من طرفي : كورونا . كورونا .
كم تحدثنا بحسرة مع الأصدقاء في العالم العربي وشكونا السياسة والجغرافيا وتذمرنا لأننا افتراضيون نشاهد بعضنا عبر الشاشة ..نمسح بأصابعنا دمع اشتياقنا ولهفتنا للقاء أحبتنا وأهلنا وأصدقائنا ونتنهد ونحن نقول للأقارب في المهجر : لو أنكم أقرب ، لو أن الحدود متاحة ، لو اننا نصلكم في ربع ساعة لنراكم بعد طول تهجير اليس هذا ما رددناه يا ام طارق ويا ابن الخال عزيزنا شكيب؟ ، كل هذه الأمنيات ذابت في حجر الكورونا التي فرضت شروط الإغتراب ؟ وعدم التلاصق !
محادثاتنا والأخ مصطفى وزوجته بشرى كنا نصف لبعضنا البعض طعم الفلافل التي ناكلها وطعم قلاية البندورة على الإفطار ونقول لهما بغرور : طبيخنا أزكى وأطيب وأقل تكلفة !! لكنهما كانا قد طبخا الملوخية على أصولها حين حاولت التدخل وتوجيه التعليمات !
ذابت التمنيات فأراحت قلقنا وتوقنا إلى اللقاءات الشخصية فهي على الشاشة أو وجها لوجه ستكون بالحفاظ على المسافة …سنتخيل العناق والقبل والإمساك باليد والشد على الذراع وضغط الأصابع والطبطبة على الكتف وصدق هذه الحركات يعبر عنه القلب والحديث والمشاعر الفياضة اما الكاذبة او المنافقة منها فإنها قد انسحبت تلوذ بمكرها الذي عليها التخلص منه وتصفية النية وأن تحب لا أن تتظاهر بالحب، كثيرة هي حركات الطبطبة والعناق اخفت بين جوارح اصحابها أحاسيس جافة كعود حطب.
ما عاد لهذه النوعية مكان . إنه الصدق الذي لا بد منه في زمن الكورونا . إما أن تكون صادقا فتكتفي ببضع كلمات ونظرة محبة وكلمتة اشتياق تخرج من القلب أو تتخلى عن حركات المداهنة فتشبع قبيلك وشوشة وعناقا وتحسس على الشعر والكتف وكلها مجرد حركات لا اكثر .
بالتباعد المفروض على الجميع والمحافظة على المسافات والامتناع عن التلامس غدا الجميع سواسية . القريب والبعيد كلاهما سيان وما يقرب الناس هو الحب الذي يحرك المشاعر وهو عاطفة محسوسة فقط . الأحاسيس وحدها هي الأصدق وقد استطعنا عبر الفضاء الأزرق نقل مشاعرنا لأقاربنا الذين انتظرنا كثيرا لنسمع أصواتهم او نستمتع بمحادثة فيديو نلوح بايدينا بفرح وتفر الدموع من مآقينا ونحمد الله على التكنولوجيا التي أتاحت لقاءاتنا من وراء الزجاج !.
حفظ الله جميع احبتنا وشعوب العالم . ولنلتزم بالابتعاد والحجر ونتواصل كما يحلو لنا عبر الشبكات ..لنكون بخير .

أضف تعليقاً