يحتضن الليل الأرض ..يلفها ببرنوسه البارد. ..تموت الحياة. تموت حركة المعاول والفؤوس …تنقطع المياه عن السواقي…وتعود المواشي تتلذذ باجترار ما ادخرته لهذه.الليلة الباردة كالموت. .تموت حياتنا وتدب في الارض حياة جديدة. ..كنا نحن الصغار نشعر بالقلق والخوف. .حياة غريبة.. اوهكذا كنا نتصورها حسب عقولنا الصغيرة ..كنا نعتقد أن الليل تهيم فيه الهوام وتتربص العفاريت بالإنسان اذاتخطى عتبة بابه في هذا الليل المليء بالاسرار. ..فإذا لم تكن هناك عفاريت ولا هوام ولا هذه الكائنات الليلية المخيفة فلماذا تبالغ الكلاب في النباح. وفي كثير من الأحيان مايتحول نباحها الى عواء مخيف. .ربما هي أيضا تتحول إلى ذئاب. .فالليل كله أسرار ….عندما يجن الليل نتحلق حول أمنا نشكل دائرة. ..حول تلك النار التي تخبو وتظهر عندما تعالجها امي بنفخة اونفختين قويتين من الكير. ..نشعر أننا بأمن واطمئنان. .ونحن في حضن أمنا وأننا بعيدون عن أهوال الليل وهوامه المخيفة. ….لكن ما يرعبنا اكثر هو ماتحكيه لنا عن ذلك الوادي الذي يعتصر قريتنا كالثعبان يكسر أضلاع فريسته. .تجحظ عيوننا ونقبض على لاشيء بقوة … شعور خوف وحماس….تقول لنا وبلجهة جادة حازمة:لا تقربوا الوادي. ..نلح باصرارنا الطفولي .لماذا يااماه؟ ؟ تشعر بنوع من الامتعاض وتجيبنا بلهجة أكثر صرامة :تبصق على يمينها وعلى شمالها وتقول :أعود بالله الوادي تسكنه عدوة الرجال …ومن تكون ؟؟ إنها جنية ..غاية في الجمال تتربص بالرجال ليلا وتبهرمهم بجمالها وتغني لهم ( ياليل ياعين) …وعندما تتمكن منهم ..تبقر بطونهم وتستاصل اعضاءهم التناسلية …فكم من مرة وجدوا على ضفاف هذا الوادي اللعين رجلا بعدما قتلته تركته للكلاب تنهش لحمه. ..وما سبب هذا العداء للرجل فقط؟ يقولون والله أعلم ..إنها بلقيس التي لها قصة عداوة مع النبي سليمان ..ستعرفونها عندما تكبرون. .لهذا يجب احترام الوادي ..والابتعاد عنه نشعر بخوف شديد ……..نندس في بعضنا البعض…يهجرنا النوم ..أما الوالدة فبمجرد ما تغفو يتعالى شخيرها. . فيشاركها الوالد- الذي نام وقت الغروب-هذه الصمفونية التي تزيد الليل وحشة…لولم تحكي لنا قصة بلقيس هذه أو (عيشة قنديشة ) لراودنا النوم ونمنا وتخلصنا من مخاوف الليل هذه ..سكن كل شيء إلا نباح بعض الكلاب وهمس الأعشاب الجافة التي تتلاعب بها نسمات الليل..دقات قلوبنا كحوافر احصنة مدعورة بين ضلوعنا وما اوحش ليلنا أكثر ذلك الحوار الموسيقي بين الوالدين ..اخترق هدوء ذلك الليل الموحش .صرخات نسوة الجيران الذين يبعدون عن دارنا بعشرات الأمتار : النجذة. ..النجدة …أغيثونا. ..اخرجوا من إكواخكم …استيقظ ابي مدعورا وقد لبس حداءه مقلوبا. ..ماذا وقع. .؟؟ اجابه صوت نسوي لم يتبينه :العدو غادر سريره…..ماذا؟؟ لقد فاض الوادي ….لقد غمرت المياه جميع الدور المحادية للضفة الغربية. ..لقد ضاع كل شيء …تهدمت المنازل. ..ضاعت الأمتعة. .رد ابي باستغراب : لكنها لم تمطر !! اجابه ذلك الصوت الذي لم يتبينه تحت جنح الليل :لقد كان مخاض الرعد في الجهة الغربية منذ ساعات ..ربما امطرت هناك ..فكان حظنا وافرا من السيول. ..ظل سكان القرية يقاومون المياه المتدفقة التي جرفت المواشي ..واقتلعت الأشجار. .ودمرت حقول الدرة كما أتلفت المحاصيل في البيادر. ..حتى الخيوط الأولى من نور الفجر. استرجع الوادي أنفاسه وبدأ منسوب المياه يقل ..فهناك قرى أخرى في انتظار نصيبها من السيول. .رجع ابي يجر قدميه فالحداء مقلوب والفاجعة أكبر أخذت يد امي بين يدي وقلت لها : امي اذا كنا نحن ممنوعون من الاقتراب من هذا الوادي اللعين فلماذا يقترب منا هو ويدمر بيوتنا ؟؟؟؟؟ يا بني أن عدوة الرجال تحرضه علينا لتنتقم من الجميع انها بلقيس عدوة الله …حدجها ابي بنظرة استهزاء وسخرية وقال : أنسيت اننا نقدم له كل عام قربانا ولا ندري على من ستدور الدوائر في المرة القادمة.
- بلقيس
- التعليقات