مطبق شفتيه ، يعض علي أسنانه ،ناظرا إلى الرجل في صمت ، مثل وحش قبيل لحظة االنقضاض ، في تنهيدة غيظ يخرج الهواء من فتحتى أنفه ملتهبا ، كأنه خارج من أعماق بركان ، تمني لو ينتهي البرنامج سريعا ، يود افتراس هذا الوغد ، يود أن يلقنه درسا في أدب الحوار ، أن يقطع لسانه هذا الذي ال يكف عن الكالم ، شئ واحد يلجمه ، يمنعه من الفتك بهذا الرجل :- البث مباشر ، يستسلم للصمت ، يفرك يديه في غيظ ، قدماه تخبطان بال انتظام علي أرضية البالتوه ، عيناه مثل عدستين تركزان اأشعة في نقطتين حارقتين ، يتنهد في ملل بعد نفاد صبره ، ها هي المذيعة تتوجه إليه بالسؤال ، يحاول كبح انفعاالته المتأججة ، يرسم ابتسامة على وجهه العابس استعدادا للرد ، تتدافع الكلمات على طرف لسانه ، ال تلبث أن تعود في خيبة إلى أعماقه ، عندما ينطلق الوغد في الكالم وكأنه يرد بالنيابة عنه ، لم ينبس هو بكلمة ، يزداد غليان دمه ، يكيل له قناطيرا مقنطرة من الشتائم في أعماقه ، تعرج الكاميرا علي وجهه ، يعرض التلفزيون صورته ، ساندا وجهه علي يده يستمع في قرف
………تنتهي الحلقة ، يعض شفتيه في أسى نادما على
الكلمات التي أفلتت منه في بداية البرنامج ، تمني لو لم يقلها ، كان سيرفع قضية تعويض علي البرنامج الذي كلفه بالبحث والتقصي ، يقضي الليل ساهرا بين المراجع ، أصابه تراب الكتب بما يشبه الربو ……. يفيق علي صوت المخرج يشكره علي تشريفه ، يخرج ممسكا بحزمة الوثائق التي ظنها كنزا البد أن يعرفه المشاهدون ، يرمقها باحتقار ، يطيح بها بعيدا ، تتناثر اأوراق علي اأسفلت ، بعضها يواصل التحليق حتى يرتمي بين أحضان النهر ، يستقل تاكسي إلى المنزل ، ينزل مندفعا دون أن يأخذ الباقي ، يدخل ثم يصفق الباب خلفه ، يهلل أوالده في استقباله : ” بابا
..شفناك في التلفزيون ” تخبره زوجته أن صاحباتها لتوهن خرجن بعد مشاهدة الحلقة ، فرحات غابطات ، وأن بعضهن حسدها دون أن يفهمن شيئا مما قاله أو قيل في البرنامج كله ،ينهرها ، تتركه ، تدخل عليه الغرفة بعد حين ، غارقا في دخان السجائر ، تسأله إن كان جائعا ، يومئ بالنفي ، يحتسي الفنجان تلو الفنجان من القهوة السادة ، جرس التلفون يقطع تأمالته ، يأتيه أحد أطفاله ”-: بابا ، واحدة
تقول إنها تريد أن تكلمك ضروري ”، ينهض علي مضض ،
ترمقه زوجته باستغراب ……..
_ ألو .. أنا المذيعة ……”
”هذه الحمقاء ، أتسمي نفسها مذيعة ، كيف لم تستطع أن تعدل في الحوار بيني وبينه ، إنها ال تصلح إال عاهرة في كباريه ”
يرد في قرف بعد لحظة شرود :
_ نعم ؟؟
_ أنا آسفة يا أستاذ ،لم يكن في وسعي أكثر من ذلك ،
مستقبلي أهم شئ ، وكما رأيت ال يمهلني لكي……..
يحاول أن يتمالك نفسه ، يرد بامتعاض ، كلمات نفثها مع نفخة ضجر :- ” ال ..وال يهمك ، مع السالمة ” يخبط السماعة ، يلعنها بصوت مسموع ، عائدا إلى حجرته ، صافقا خلفه الباب .
يستيقظ في الظهيرة ، بعد فترة نوم مليئة بالكوابيس ، اختمرت خاللها اأوساخ والعرق فوق بدنه ، يزدرد لقيمات بال شهية ، يحتسي الفنجان تلو الفنجان من القهوة واقفا علي النافذة ،
المقهى المقابل مكتظ بالرواد علي غير العادة ، يضع الفنجان الفارغ ، ينزل مستطلعا ، يراقب تلفزيون المقهى ، يفاجئ بنفس المذيعة الحمقاء ، يقترب ، نفس الكلمات التي قالتها سابقا ، بنفس اإليماءات البلهاء ، ومع من ؟ نفس الوغد ، يا للمهزلة ، نفس اأسئلة ، نفس النظرات ، نفس االبتسامات ، حتى الديكور لم يتغير ،تزول دهشته عندما يلمح كلمة “إعادة” في أعلي يسار الشاشة ، ينتظر رؤية نفسه ، الكلمات التي قالها كانت في الخمس دقائق اأولي ، يمر الوقت ثقيال ، يمضي معظم وقت البرنامج ، يعتريه التعجب واالستغراب والغضب واليأس ، يضرب كفا بكف ، يغمغم بكالم غير مفهوم ، يعلو صوته ساخطا ، تنهال من فمه الشتائم الهيستيرية ، يلوح له الناس مطالبين إياه بالسكوت ، يصاب بالذهول ، يزداد دهشة عندما يقرأ العبارة المكتوبة أسفل الشاشة :- ” بناء علي طلب المشاهدين ، تمت إعادة البرنامج ” ، يغادر المقهى وهو يصب أقذع اللعنات علي البرنامج والضيف والمذيعة والمخرج والمشاهدين واليوم اأسود الذي قبل فيه تلك الدعوة.