1 . المجروشي بَدَّة
لما سُئل عن سبب التسمية مَثَّل بيديه النحيفتين جدا حركة دوران الرحى والطحين؛ولأن جده لأبيه، لم يتخل عن جلسات المشعوذين،ورغبته الحميمة في الوصول المميز لكنوز سيدنا سليمان غير عابئ إن كان الكنز المنشود يحرسه الجن الأحمر، أو الجن الأزرق؛ولقد خصص دارا كبيرة من أملاكه لهذه الجلسات التي يفد إليها العشرات من أمثاله من أنحاء المشرق والمغرب حاملين معهم ما يستطيعون حمله من عطارة الشعوذة، وملابسها، ومتون كتبها، وصور القدماء فيها من مشايخ ورواد ومريدين؛ ولم يقتصر الأمر على هذا؛ بل كان ينفق عليها بالعملة الأجنبية مؤمنا بأن من يطلب الصعب؛ فعليه بالعملة الصعبة لتحقيق ما يريده؛ ولم يبخل علي الجلسات بذبائح أو بخور أو عطور.
ورث المجروشي عن أبيه عن جده عن شيخ مشايخهم عن بيرقهم الأعظم الراقد في قاع تراب الهيكل المقدس ببيت المقدس حيث تناسلت أسرة داود عليه السلام ورث الدار، و مجموعة التعاويذ، والطقوس التي يعيشها حد اليقين، وحد التسليم ؛ ويخشى على نفسه وعلى من حوله أن تفلت تعويذة هنا أو هناك، وإلا فهي طائر شؤم؛ أو هامة على من يتعاطاها خارج سياقها، وهيكلها.
هذا ؛وقد لاحظنا على المجروشي حبه الغريب لذوات القرون الهلالية من الماعز الجبلي التي لاتكاد تدر لبنا ولا تعطي نسلا ولا لحما، واعتزازه بثوب غريب النسيج والتفصيل يَدِّعي أنه من ثياب السلطان المنصور بالله سيف الدين قلاوون..
هو للآن لم يتزوج؛ ولكنه كثير الاغتسال؛ والحوقلة.
2 – الأخضر بو زعزوعة
لا يحب الظهور كثيرا إلا في أواخر الليالي القمرية صيفا عند منتصف الليل محاطا بهالة ضوئية ملفتة تحت الجميزة العجوز. الرابضة أعلى الزمام عند وابور المياه القديم؛ولقد عرفنا سر الضوء الملفت حولة؛ إنه كشاف طائرات من معدات ( الكامب ) الإنجليزي أيام الاحتلال…
صعدت له أخته نفيسة بياقة لقميصه الكتاني؛ وبوق لجرامفون تراثي لزوم طقوسه الغريبة في الضحك على البسطاء؛ ونساء المهجرين بسبب الحرب أو الحب للسلطة والسلطان..
اختفى الضوء والصوت فترة طويلة؛ وانكفأت الجميزة على الشاطئ بين عواء الذئاب ونباح الكلاب..
غاب النباح ليحل محله النواح..” اللاخضر مات.. طار..” كأنه كان يودعنا عند ظهوره الأخير..كان باهرا وبهيا ؛وسمعناه يصدح بأغانٍ وموشحات تركية وأندلسية” فلامنكو “
اليوم صعد عشاقه ومريدوه؛ وبنوا له ضريحا ومقاما يزوره القمر صيفا وشتاء ؛ويضع في صندوقه النذور..
“… مداااد ياااابو زعزوعة ” !!
3 – داود الشِّنْف
تحفه المشيئة حيث كان.. يتسم بالخفة والحركة.. كنا نظنه ممن يسيرون على الهواء والماء؛ فكلما جاءنا جس نبضنا، وحِسّنَا الفني برقصة يونانية؛ أو دبكة لبنانية.
كان بارعا في هش غبار المعارك، وفك تقطيبات الحزن، والضيق النفسي؛ والاجتماعي، وعهدناه ماهرا في اقتناص الغيم ليحبسه في أحد الأزقة الخربة أو ينثره هباء على شوارعنا المزدحمة والمتخمة بالفضلات والنفايات..
كنا – وهو يرقص أو يغني – ننسى سعاله؛ وإجهاشه؛ ونندمج معه؛ ونلتف حوله دائرة تُصَفِّقُ بإيقاع موحد، منغم. مع كلمة “زوربا.. زوربا” سيما وصوته منسول من عشب البراري، ووحشيات الشعراء الصعاليك في الجاهلية؛ لكننا فوجئنا به يصرخ في ردهات الفندق؛ ويطلب “أكسجين “..!!.