نصّ خروج نموذجا:

خروج
– إلى اليمين سر
– صار شمالنا يا سيدي

مازالت القصّة القصيرة جداً، تعاني من تطفلات عربية، أصحابها لا يقبلون الخروج من ربقة المفهوم التقليدي للقصّة، وقواعد الديكاميرون لبروب، وفي أكثر التقادير تعديلات شتراوس على تلك القواعد. وحتى لا يغيم المقصد فقد وضع بروب أكثر من ثلاثين قاعدة للحكاية في قراءته لديكاميرون جيوفاني المستفيد من ألف ليلة وليلة، اختصرها شتراوس بالنصف لتحميل الحكاية نظام الثنائيات. بالطبع تناول بروب الحكاية الشعبية وتحقيقها للشروط والعناصر التي تبدو معها مكتملة البناء، وقبل أن ندخل في الخلاف الجذري مابين فن القصة القديم والحديث، لا بد من ذكر حال غريماس بعد قراءته لهلمسليف ومفهومه عن اللغة (الغلوسيماتيكية) الذي جعله يحذف (حسب تعبيره) الكثير مما كتبه سابقاً حول السرديات، فهو خرج من دائرة تحديد خصائص وسمات الحكاية السردية إلى ابتكار مفهومه عن البنية (السطحية والعميقة) للنصّ، هكذا فالنص القصصي هو نص امتلك بنية شكلية سطحية بمعايير النوع والفرع، لازمته بنية عميقة عكسها السواد (المكتوب) وتخصص بها علم المعاني، فما أطلقه السواد بتفعيله ملكة الخيال والتأمل المحفّزة بالدهشة وانتهاك الحواجز والإشارات التي حواها اللفظ (بعلامات ترقيم أو بدونها) لإمعان النظر في مشهد بصري لا ينطق بمحض السواد والجمل التفصيلية (النحو والصرف) فحسب، بل ببياض السرد الذي وافق مفهوم البرق في القصة القصيرة جداً، فالبرق علامة المطر وليس مجرد الذهول، وبياض السرد لا يشترط علامات الترقيم (وهي تقنية مساعدة) حيث لا بياض بغير صمت الجملة التفصيلية لملئ الفراغ بسواد جديد هو علامات الترقيم (كل علامات الترقيم مشغولة بالسواد)، فالقول (نام… ) منح المتلقي (بياض) حققته علامة الترقيم بما أنتجه الخيال البائس (نام أحمد أو محمد أو عمر) حتى يبدو إعجاز القصّة في تعدد النائمين وتنوعهم، وهذا التصنيف (للبياض) تسفيف بالفن.
لا شأن لكاتب هذا الجنس الأدبي بعدد الجمل التي أطلق بها سرده القصصي، فقد يجري ذلك بجملة واحدة، والقصّة المعيارية فعلت ذلك: (للبيع حذاء طفل لم يلبس قطّ). لكن دعاة الحكي والاستعراض اللفظي وضعوا من أجل تبرير عجزهم فوارق وهمية بين (القصة الومضة) و(القصة القصيرة جداُ) أو قصة (الكلمات: الستهمنغواي، والسبع مونتريسو، والأربع_ فيليبي) وما ينزعون لإفهامه بشأن جنس القصة القصيرة جداً، فمعيار التفريق عندهم هو عدد الجمل (لا أكثر ولا أقل)، وهم يستكشفون (البياض) في كل أجناس الأدب، وعندما يتناولون النصوص القصصية يبتدعون عدّ الجمل البانية فيعيبون على القصّة القصيرة جداً اكتمالها بجملتين، وربما نجد من يشترط عليها أن تكتب بخمسة جمل أو ربما ثلاثة؟.. فمعيار التجنيس هو الكم العددي للسرد؟. وكلما نقص عدد الجمل والألفاظ مع بعض (التبخيرات) المناسبة تحولنا من الرواية للقصة، فالقصة القصيرة، والقصيرة جداً؟.. وهؤلاء يغمزون بصفحاتهم الخاصّة على تعديات بقيت غامضة رغم تجريدهم الصائب. ولإنني وجدت أن مصيبة النقد العربي في هذا الشأن هي (تطبيقية) وليست نظرية، حيث نتفق بما هو نظري لنختلف في التطبيق، فسوف أناقش الأمر من خلال نصّ (خروج) الذي وجده أحد النقاد نصّاً (فاشلاً)..؟.. وكل ما أثبته لتأكيد فكرته هو أن النص أسسته (جملتان) لا أكثر، والبياض فيه (فاصلة، وحذف أخفى لذة الحكي)؟.
القصّة القصيرة جداً هي انزلاق مشهد بصري على أسطح الذاكرة (د. جابر عصفور) وكل مشهد بصري هو حركي، والتعريف عمّق مفهوم القصّة باعتمادها اللغة البصرية وليس مجرد الكتابة الخبرية التي أسست معها قواعد الديكاميرون البنية السردية للحكاية الشعبية، فقصصية القصة القصيرة جداً حبكة أثرية وحدث جزئي وشخوص ضميرية، تحقق من خلالها غاية النصّ المشفّرة بالسواد (البانورامي). ولابأس بالتذكير بمقولات مهمة في هذا الفن: أسلوبي أشبه بجبل الجليد المغمور بالماء فلا يظهر إلا ثمنه (همنغواي)، الأدب هو خرق الحواجز (ميشيل بوتور)، القصة القصيرة جداً فراشة قزحية الألوان (فالينزولا)، القصة الوامضة بلا بياض فعل عبثي (ستانبرو)، أحاول قول الأكثر بالأقل لإن الأقل هو الأكثر (غاليانو)…
مشكلتنا مع بعض النقاد هي وقوعهم في خلط متعمد بين رواية عصر النهضة ورواية ما بعد الحداثة، تحجرهم على اللغة العادية للأداء اللغوي وغيابهم عن اللغة الأصلية أو لغة الإيحاء، التصاقهم بالجملة التفصيلية الخبرية واقتصار البياض على التقطيع والحذف والترقيم. الرغبة الجامحة بما بتنا ندعوه (ثرثرة) في الأداء الإبداعي (لذة الحكي).
نصّ خروج بين الرفض والقبول:
لايعني دفاعنا عن النصّ رفض كل ما جاء به النقد، خاصّة فيما تعلّق بالجانب النظري (مفهوم البياض) ولكن لم نجد في محتويات النقد ما فسّر الهجوم على النصّ ولجنة التقييم، فالناقد لم يهتم بالعنوان وهو من دعاة إهماله (كما عبر في أحد المواقع) علماً أنه من الأجزاء المهمة في سرد القصة القصيرة جداً، والنص حقق مفهوم القصصية باعتماده أسلوب الحوار الذي مكّن السرد من التكثيف اللفظي وتفعيل حركية المشهد، لتحقيق مفارقة السخرية والاستخفاف بواقع اختلط فيه الحابل بالنابل وصعب فيه تحديد اليسار من اليمين. وهو زمن الخروج عن القيم والمبادئ وضياع التخوم. تعتبر تقنية الحوار من التقنيات الصعبة في تحقيق قصصية نصّ القصة القصيرة جداً، خاصّة عندما يبنى السرد على الحوار وحده، فيتمكن معه النصّ من احتواء محددات الفن بالكثافة التي وجدنا لها أوجه ثلاثة: لفظية، مشهدية، نفسية تقوم على الإزاحة. لقد نجح النصّ في تحقيق شروط الفن رغم وعورة أسلوبه الخطابي، وبياض السرد هو وميض السواد لتنويع (الخروج) و(اليمين) و(اليسار) في مفارقات مصيرية لحياة الإنسان المعاصر، فالبياض تمكين المتلقي من قراءات عميقة لا تشترط الحذف التشكيلي من داخل بنية النصّ، والقصّة القصيرة جداً تقرأ من خارج السرد (الحذف الداخلي تقنية مساعدة وغير ملزمة).
بياض القصّة القصيرة جداً هو هالة النور التي تحيط بالسواد (المكتوب) ولن تصدر الهالة عن كتابات قصصية عادية (لغتها خبرية)، فلغة القصة القصيرة جداً هي لغة الإيحاء وهي اللغة الأصلية التي شرحتها مبادئ هلمسليف الغلوسيماتيكية. يعيدنا الأمر للجذر التاريخي الروائي الذي نتج عنه فن القصة القصيرة جداً، ونحن هنا نتحاور للفائدة وليس للصراع، فالأصل الروائي هو الرواية الجديدة، ومعها تحولت القصة من قصة الزمان إلى قصة المكان، والحبكة الأفعوانية إلى الحبكة الأثرية، والشخوص إلى الضمائر (هو، هم.. في قصة خروج) وأسلوب الخطاب إلى الانفعال والمذكرات وربما الإفادة من كل الأساليب، أما (لذة الحكي) كما أراد الناقد فقد تحولت إلى (لذة النصّ)، إن من وسائل الخطاب الحوار وهو لعبة خطيرة في عالم القصّ، فهو أداة تكثيفية جيدة لكنه يهدد بانفلات اللحظة القصصية، ومع هذا فقد نجح النص في تمكين الحوار من عناصر السرد القصصي كما أراده الأدب الحداثي، وليس الغرق بالتشكيلات الكلاسيكية لمفهوم القصّة. محبتي للناقد القدير د. مسلك ميمون، والخلاف لا يفسد ود.

أضف تعليقاً