في يوم عاصف وماطر ألقت شرطة حماة الطبيعة القبض على المدعوين الحلم والوهم كمشتبهين رئيسيين في حادثة هلاك سرب من الطيور المهاجرة منذ أكثر من خمسين عاما، ووضعا معا تحت الحبس الاحتياطي للتحقيق في القضية.
لقد كان الحلم مهموما مشغول البال طيلة الساعة الأولى لاحتجازهما على عكس الوهم فلم يأبه للأمر أبدا ولم يعطه أي اهتمام وابتسامة عريضة لا تكد تفارق وجهه الذي يبدو عليه وكأنه وجه فزاعة. وبعد رؤيته لحال الحلم تقدم منه وراح يقول له:
مممم، معك حق عليك بالتفكير، فكر…فكر كيف تنجو من هذه المعضلة.
أنا بريء من كل ذلك…
أصدقك، لكن اجعلهم يصدقونك.!!!
أنت تعلم جيدا من المسؤول…
وما أدراني؟، ربما كان شيئا آخر وليس بالضرورة أنا…
أنت أيها الوهم، أنت تعلم جيدا أن الوهم من قادهم إلى هناك وليس الحلم…
يا سيد حلم لا تقلق بشأني بل اقلق بشأنك…
ستظهر الحقيقة…
ومن سيصدقك…كيف ذلك وأنت قد صرت عجوزا من كثرة التفكير والهم والغم، حتى أن صوتك قد أصبح ضعيفا تعتريه بحة فلا أحد سيسمعك وإن سمعوك فلن يفهموا ما تقوله وإن فهموا فلا أحد سيأخذ ما تقوله على محمل الجد لأن الكل سيفكر أنه قد نال منك الخرف…حتى إن يداك ترتجفان ولا يمكنك الكتابة، وإن كتبت فسيتعذر قراءة ما رسمت وبالتالي ستعجز الكتابة عن إيصال ما ترغب به تماما كالصوت…والكارثة يا صديقي أنك لا تستطيع السير حتى للتنقل من مكان لآخر لتعرف بأن ما بذهنك قد انتقل لباقي الأذهان.
لست بحاجة لكل ما تقوله فالحقيقة تتحدث بنفسها، تسير بنفسها، وتخلد نفسها…وهي ليست بحاجة لكل ما ذكرت…
( ضحك حتى القهقهة) الحقيقة أن الحقيقة ليست بحاجة إلى المساعدة بل أنت من يحتاجها لتنجو وبصراحة فالحقيقة غير مهمة البتة من قال للسرب أن يهاجر أنا لم أطلب من أحد أن يتوهم أن موطن الهجرة لذلك العام فيه خير كثير مع أني لا أكذب عليك لقد استمتعت بالأمر كثيرا فقد كانت تجربة جديدة أعيشها فأنا عاشق المغامرات…وسوف لن تنجو فانا خبير في قراءة الطالع وحظك سيء مذ ولدت…فأنت فقير والفقير في العيون دائما حقير…وسوف لن أكمل القول حرصا على مشاعرك…
لن تصل من وراء كلامك هذا لأي شيء.
إنك ضعيف لدرجة أن صلاحيتك تنتهي قبل البدء أما أنا فاستمراريتي دائمة…تفكر عشرين سنة لكي يكون لك ربع جناح، عكسي تماما يكفي أن تمر الفكرة ببالي لكي تصبح حقيقة…فالفرق بيننا واضح حتى إن لا أحد لك هنا، أنت وحيد بينما أنا لي أبناء عمومة كثر فالقاضي ابن عمي والنائب العام يكون أبو بن عمي القاضي، بمعنى أن هذا الأخير يكون عمي، وإلى هذا الحد فإني أرى نفسي بريئا من كل التهم الموجهة إلي سواء الحالية أو المستقبلية.
قدم المتهمين كل الأدلة والبيانات وكذا الشهادات التي كانت تثبت منذ الجلسة الأولى أن الحلم وقت هلاك السرب كان يجول في سماء ناطحات السحاب بينما كان الوهم في الوقت نفسه يعيش في سماء المستنقع الذي هلك السرب فيه. وبعد خمسين عاما من المحاكمة أغلقت القضية بعد أن سجلت ضد مجهول، وبعد هذه الحادثة اختفى الحلم ومنذ ذلك الحين لم يعرف له مكان.
- بين الحلم والوهم
- التعليقات