استعاد وعيه ببطئ شديد .. ولكن كل ما يتذكره هو وقع هذا الكلام السخيف الذي ألقاه في وجهه صديقه الساقي .. ولم يراع صداقتهما ولا حتى أنه كان سببا في عمله بهذا المكان وقد اعيته الحيل بحثا عن عمل اتقاءا للفقر وقياما باعالة اسرته .. وما آلمه أكثر الا أنه لم يتورع عن قولها وسط الجموع الموجودة بالمكان .. كان يصفعه بحروفها حرفا حرفا .. فكانت كأنما كرات نار ملتهبة لفحت صفحة وجهه الذي احمر غضبا .. وحينها فقط لعبت الخمر والنرجسية والغرور برأسه وهجم عليه محاولا خنقه .. لم يفق إلا على صيحاته والدماء تسيل من فمه .. وتجمع كل الحثالة يوسعوه ضربا ..
لم يتركوا جزأ بجسده بلا ألم .. أعيته الكثرة وغلبت ما كان يتصور أنها شجاعة .. قضوا على مقاومته واحساسة بالكبر وتركوا له آثار الضرب والذل والمهانة .
فجأة وجد نفسه محاط بعدد كبير من الشباب منعت الهواء عنه .. اجتمع عليه ذوو الأجسام الضخمة والوجوه العابسة المتوعدة .. وبعد أن أوسعوه ضربا .. حملوه من يديه وقدميه وطوحوا به في الهواء خارج المكان المكتظ بهم من كل شكل ولون .. كانت صدمة له ولم يكن يتخيل أنهم بهذا الغل .. الأغرب أنه لم يهب أحد لنجدته كأنما كانوا مستمتعين بالمنظر .. ألجمته المفاجأة فبدى كأخرس يحاول إقناع الجميع بحلاوة صوته .
جاء وقوعه على الرصيف أمام الكافيه مؤلما له .. مرة بسبب ما أصاب جسده من رضوض وآثار لكمات وركلات في كل أنحاء جسده .. ومرة أخرى بسبب اهانته وبعثرة كرامته وكسر أنفته .. وأخيرا لأنه وجد نفسه مكوما مثل كتلة لحم أمام جزار فاشل يقطعها بلا أي نظام .. وبين يقظة بالكاد وثقل بالجفون وجد نفسه بجوار المتسول الذي لايعيره أي اهتمام حين ولوجه للمكان .. استمر غير قادر على الحراك يئن بصوت لايكاد يسمعه أحد .. يتحسر على حالة يحملق فيمن يدخل أو يخرج دون أن يلتفتوا إليه .. استغرق ذلك وقتا لايدريه حتى لاحت خيوط الفجر من بعيد .. مرت عليه هذه الساعات كأنما هي دهر من المرارة ولم يعد يذكر إلا لحظات انفعاله الرهيب ..
تحامل على نفسه وسار كما لو كان يحبو على أربع حتى وصل سيارته .. أدار المفتاح وتركها تأخذه باتجاه شارع يحن إليه باستمرار ولم يجرؤ على الذهاب إلى هناك من قبل ..
إترجل من سيارته ومشى متثاقل الخطى .. كأنما يجر أطنان من همومه وبدت سنوات عمره الذي لم يتعد العقد الثالث كأنها جبال لا يطيق حملها ..
قادته قدماه للبيت القديم بالحي العتيق .. مراتع الصبا ومهد الطفولة .. لم يدر كيف صعد الطابق الثاني على هذا السلم المظلم إلا من شعاع ضوء خافت لم بنسى تضاريس السلم وصعده رغم تعبه .. كان من المستغرب جدا أن يطرق هذا الباب هو أو أحد من أسرته ..
سمعت صوته ففتحت بسرعة .. هذه العجوز التي ما أن رأته حتى أخذته في احضانها .. تتحسس وجهه وتضمه اليها .. بدت علامات الإنزعاج عليها ووقفت صامتة .. نزلت من عينيها دمعة أحسها ساخنة على يديه وكأنما احرقته دمعتها .
ربتت على كتفة مطمئنة له .. تركها ودخل إلى الغرفة التي يعرفها جيدا جلست وحيدة تبكي بصوت غير مسموع .. وصوت صلاة الفجر ينساب من ميكروفون المسجد الملاصق للمنزل .
وقف متسمرا امام صورة على الحائط .. كان كمن لايعرف من فيها أو يراها للمرة الأولى .. لم يجد ثمة تشابه بين الصورة والوجه الذي يراه كل يوم ..
صورة زفاف ابيه والتي احتفظت بها جدته لثلاثين عاما .. تغير الرجل كثيرا كان شابا يافعا مفعم بالحياة تتفجر الرجولة من وجهه .. تبدو عليه امارات الوسامة رغم بساطة بذلته ..
لم يحتمل كثيرا النظر الى الصورة .. انتزعها من الحائط وألقاها على الأرض .. تهشم الإطار وتناثر الزجاج في كل مكان .. انحنى يلتقط الصورة ويحادثها كأنما صاحب الصورة ماثل أمامه ..
صرت شابا على حافة الثلاثين لم أتزوج ولم أتعلم شئ جيد أو جدي في حياتي .. ولا أعرف عن ديني شئ وليس لدي حكمة ولاأخلاق تحميني .. فساد و فساد فقط لاغير .. ربيتموني في الخطأ وعلى الخطأ وبالخطأ .
سؤال يؤرقني جدا لماذا حدث معي ذلك ؟.. ضاعت ثقتى في نفسى .. صارت شخصيتى مضطربة ومشوشة .. لم تشجعنى وتقف بجواري .. هل تعلم إنى اضطررت كتيرا لإتخاذ قرارات وحدى .. للأسف كان معظمها خاطئ .. ونلت منك كثيرا من اللوم عليها … كانت احلامى تضيع أمامي رويدا رويدا .. لم تكن عيب او غلط .. وإنما أضعتوها فقط لأنكم واقفين مكانكم .. تروا ان أى خطوة ممكن ترفعني لا لزوم لها ..
كنت مضطرا للبعد عن كل حلم جديد أحلمه .. وكنت انت بعيدا .. دائما كنت أحاول أن أقرّب منك .. وكل ذنبى إنى مختلف في الفكر والطباع .. تمحورت مشكلتى حول إنى لست أشبهكم .
وفي صبايا كنت أسير بالشارع وحدي وسط الناس خائفا أتمنى أن أهرب .. أن أبقى وحدى .. لإنى تربيت على الوحدة والخوف .. وإن كل الناس سيئين .. وان أغطي وجهي بمليون وجه أمام الناس ..
موقف لاأنساه لك .. هل تذكر حينما كنا نسير بالسيارة في شارع ضيق .. اصطدم صاحب عربة كارو بسيارتنا .. ماذا فعلت أنت ؟ .. نزلت وضربته بلا أي رحمة أو شفقة .. لم تفكر لحظة إن ذلك يؤثر على نظرتي لك ..
كل ذلك مع مسكين أخطأ دون قصد ، ألم تفكرلحظة إنك قدوتي؟ طوال عمرى لم أفكر بك بطريقة سيئة ، لأنك أبويا وكنت أعتبرك أفضل رجل فى الدنيا.
حتى جدي وجدتي حرمتنا منهم وحرمتهم منا .. أهملتهم لأنهم فقراء أو ليسوا على مستوى طموحك .. ورغم ذلك ظللت أذكرهم بيني وبين نفسي ومازالت ذكريات سنواتي الخمس مع جدي ماثلة في ذهني
ورغم كل ذلك ورغم ما اعرفه اعتبرك قدوتي .. كل ماحدث لي بسبب كلمات قالها صديقي حينما مازحته .. عرفت بعدها أنني ضائع .. لامستقبل أمامي إن لم أفلت من دائرتك .. هذه الدائرة التي أحكمت قبضتها على روحي وأنفاسي .
تائه بينك وبين شبابي ودنياى التي أريد أن أعيشها .. وبين صدمتي فيك كقدوة .. ليس سهلا علي أن أكتشف أنني الوحيد الذي لايعرف أنك …أنك … أنك .. لص ومرتشي ووصولي ودموي .. هل تتخيل أن شابا مثلي يتحمل هذه الصدمة ؟
قال كلماته وبكى كما لم يبك من قبل .. أحس أنه كان يحمل جبلا ثقيلا وسقط عنه .. خارت قواه فوقع على حافة السرير .
بعدما فرغت من صلاة الفجر وأكملت تسبيحاتها تأهبت لتناول قهوتها وبعض لقيمات بالكاد تكفي لطفل صغير .. مابين غرفتها والمطبخ تسمع صوته العالي يتحدث إلى أبيه .. مرة يصيح بصوت عال ومرات يصرخ متألما ومرات يبكي منتحبا .. والأغرب هو خبطات يديه على حائط الغرفة .
استبد بها القلق فدخلت مسرعة قدر ما حملتها قدماها .. حتى دون طرق للباب .. أذهلها ما رأته ووقفت مشدوهة تنظر اليه .. كان يتصبب عرقا ورغاوي بيضاء تحيط فمه وذقنه ويداه ترتعشان وشفتاه زرقاوان .. كأنه كان يعاني سكرات الموت .
انكفأت عليه تحتضنه وتمسح دموعه وتهدئ روعه .. لاحظت زجاج الصورة وإطارها المكسور على الأرض .. وبعض دماء على يديه ومازال ممسكا بالصورة يحدثها وكأنه مجنون تماما .
أخذت منه الصورة وأجلسته بجوارها على السرير .. سألته بصوت واه وحنو جميل .. ماذا أصابك يا ولدي .؟ وما الذي أوصلك لتلك الحالة ؟
لم يجبها وظل ينتحب بصوت خفيض وهي تربت على كتفه وتهدهده كطفل غاضب ..
أخيرا خرجت الكلمات من فمه متعثرة وحكى لها .. حكى من بداية عمره حتى لحظة إنهياره .. توقف عن الحكي فأومأت له أن يهدأ ويرتاح .. ثم بسملت وحوقلت وأخذت في رقيته .. وأخيرا قالت له :
– لقد حذرته من هذا المصير .. تمادى في كل شئ ولم يسمعني أنا وأبوه .. ترك لنا البيت وأخذكم معه .. ولم يعد للبيت من يومها حتى الأن .. رغم تغير كل الظروف .. لكن الحمد لله على كل شئ .
– وما ذنبي أنا ؟ .. لماذا أدفع ثمن أخطائه ؟
– هذه ارادة الله يا بني .. ولعلها فرصة جيدة لك أن تبدأ من جديد .
– الآن قم واغتسل وتوضأ وصلي الفجر .. واترك الامر كله لله وسيكون خيرا باذنه تعالى .
تحت مياه دافئة حاول ان ينسى ما حدث وحين هدأت نفسه واستعاد بعض وعيه المفقود وراح تأثير الخمر والغضب منه أخذ يقلب الأمر على كل وجوهه .. اكتشف أن غضبه كان زائدا ولم يكن في الاتجاه الصحيح .
حدثته نفسه التي لطالما امرته بالسوء أن لا ضير مما حدث وتستطيع مواصلة حياتك كما يحلو لك .
بصق في وجهه المتحجر أمام المرآة المكسورة .. ولعن نفسه ولعن الغضب ..
الغضب كما فهمه ومارسه هذه الليلة لأقصى مدى .. كان مجرد كلمة بسيطة ولكنها موحية بكثير من خيالات وأوهام القوة .. تأخذنا بعيدا جدا ولا نأخذ في رحلة غضبنا إلا كل خيباتنا وبطولاتنا الزائفة .. وفجأة نجد أنفسنا في موقع الدفاع والهزيمة واﻹنكسار بديلا عن نشوة الهجوم واﻷنتصار الذي يملأنا حتى الثمالة ..
وقت عصيب يتلاشى فيه الفكر والمنطق ولا نجد لدينا إلا صوت واهن خافت أجوف لا يستطيع أن يبدد ظلمة العقل والقلب .
ارتدى ملابس جده .. ثم جلس بجوارها بعدما فرغ من الصلاة ..
ضحكت لما رأته وقالت له مداعبة :
– الملابس لائقة جدا عليك وكأنها مقاسك تماما .. تعرف انك تشبه جدك في شبابه تماما .
قال لها بشوق من يريد أن يسمع عمن يحب :
– احك لي عن جدي
قالت له بحب شديد واعجاب اشد :
– جدك كان رجلا بمعنى الكلمة .

أضف تعليقاً