البحثُ في نظريةِ الأدبِ يرتكزُ على سؤالين هما:
ما طبيعةُ الأدب ؟ و ما وظيفتُه ؟
و التركيزُ في المسألة الأولى يقودُ إلى ( النظريةِ الشَّكلية ) في حين التركيز على الثانية يقودُ إلى ( النظرية الأخلاقية ) .
ومن الواضحِ أن التركيزَ على واحدة من المسألتين لايعني إمكانيةُ الفصل بينهما فالعلاقةُ ذات طابعٍ جدلي .
في البداية كان تركيزُ اليونان على وظيفةِ الأدب مما يشيرُ لاتِّجاههم الأخلاقي فتساءل أفلاطون عن طبيعةِ الأدب و وظيفةِ الشُّعراء فهو عندما قسم الحقيقة و العالم لثلاث مراحل :المثل العلوي ..العالم الواقعي و هو ظل لعالم المثل ..في حين جعل الفن في المرحلة الأخيرة إذ هو محاكاة للواقع..
(كان منطلق أفلاطون أخلاقياً ).
أما أرسطو فالشعر عنده محاكاة أو تقليد صاباً اهتمامه على تأثير الأدب على شخصيات ممارسيه و يبدو واضحاً اتجاهه الأخلاقي.
في العصورِ الوسطى سيطرَ على الأدب المفهومُ الديني، وتأثر بالنظريةِ الأخلاقية الدينية.
الموقفُ الإسلامي لم يكن إيجابياً من الشعراء ” الشعراء يتبعهم الغاوون . ألم تر أنهم في كل وادٍ يهيمون . وأنهم يقولون مالا يفعلون ” .
كما نزّه القرآن الكريم النبي محمد عن الشاعرية و نفاها بإنكار شديد :
من سورة الحاقة :
” إنه لقولُ رسول كريم . وما هو بقولِ شاعرٍ قليلاً ما تؤمنون ” .
و تبين من التطبيق العملي أن المقصود بالإدانة نوع خاص من الشعراء الوثنيين حيث جرت الاستعانة بالشعراء الصالحين مثل حسان بن ثابت و كعب بن زهير.
و هذا الموقف لايخرجُ بمجملِهِ عن موقفِ أفلاطون الذي استبعدَ الشعراء اللا أخلاقيين .
و لكنَّ سرعان ما استعادَ الشعراءُ مكانتَهم التي كانتْ قبلَ الإسلام و زادوا عليها في العصرِ الأموي
أما النُّقاد العربِ فكان لهم رأي من زاويةِ النقدِ التطبيقي فمعظمهم مالَ إلى التمييزِ بين اتجاهاتِ المضمونِ و جماليةِ الشكلِ ..قال الأصمعي : “طريقُ الشعرِ إذا أدخلتَه في بابِ الخيرِ لان “.
ومالَ النقادُ العربِ بأغلبهم إلى إعفاءِ الأدبِ من الالتزاماتِ الأخلاقية .
بالواقع التمييزُ الدقيقُ بين ( طبيعةِ الأدب) و ( وظيفتِه ) لم يبدأ إلا في مطلعِ العصورِ الحديثةِ حين اشتدَّ الخلافُ بين أنصارِ النظريتين الفنُ للفنِ و الفنُ في سبيلِ الحياة .
أما في عصرِنا الحالي فتتعايشًُ النظريتان و أحياناً يأخذُ الصراعُ شكلاً حاداً و ذلك تبعاً للتقلباتِ الفكرية و السياسية .
و تجدر الإشارةُ إلى أن كلمةَ أخلاقي أو شكلي تستعملُ بمفهومِها العام ، فالمسألةُ ليست مسألةُ كونَ الأديب مع الأخلاق أو ضدها أو مع الشكل أو ضده بل هي مسألةُ المنطقِ الأساسي لموقف الأديب .
النظريةُ الأخلاقية : إنَّ المعايير متطورةٌ بتطورِ الحياة وربطُ الأدب بالأخلاق يعني ربطَه بقيم غير ثابتةٍ وحرمانَه من فرصةِ الخلود التي تعتبرُ أهمَ مميزات الأدبِ الجَيد .
ومع الحياة اليومية لإنساننا المعاصر يزدادُ خضوعُ الأدب لتفسيراتِ السلطة للمفهومات الأخلاقيةِ و الاجتماعيةِ مما يُعرضُ الإنتاجُ الأدبي لموجاتٍ من النقمةِ أو التحبيذِ الغير النابعةِ من خواصهِ الذاتية ، فالبطلُ الجاهلي مثلاً قد لايكونُ مقبولاً من خلال المفهوم الإسلامي . لكن مع ذلك ورغم الاعتراضات هي مستمرة بشكل أو بآخر .
النظرية الشكلية : و تقول :
أن الأدبَ فعاليةٌ إنسانيةٌ خاصةً قائمةً بذاتِها، لها قوانينُها التي يمكنُ إرجاعها إلى مبدأ واحد هو الإتقانُ الصحيحِ للعمل الأدبي والعاملُ الوحيدُ الذي يحكمُها الشكلُ الفني وأنَّ غايتَه هو الجَمال ،ويعتبرُه روادُ الجانبِ النَّفسي أنَّه لذةٌ و متعةٌ لأنَّه يساهمُ في إنفاقَ الفائضِ من قِوانا المُدخرة ،بالتالي اعتبروا المضمونَ النافعَ ضاراً بالشَّكل .
علماً أن النَّظريةَ الشَّكلية هي ليستْ ضدَّ الأخلاقِ و لكنَّها تفصلُ بينها وبينَ الجمالِ وتصنفُ خصائصُها : بالوحدةِ و التماسكِ و التألقِ و غير أن هذه الخصائص لا تتوفرُ بنسبٍ واحدةٍ في أي عملٍ أدبي .
أخيراً ….
في مجالِ الممارسةِ يقتضي الأمرُ الإتكاءَ على النظريتين فهما يلتقيانِ عند أمورٍ كثيرةٍ لسببٍ بسيطٍ هو أن طبيعةَ الأدبِ و وظيفتَه وجهين لحقيقةٍ وَاحدة .

أضف تعليقاً