حان موعد أوبته ، ثمار الشوق أينعت ، والحنين إلى الوطن لا يُقاوم ، ابتسم له الحظّ بعد خيبات متكرّرة ، جمع من المال ما يبرّر طول غيابه ، لا زالت صفة البخل تلازمه ، بذور الخير لم تنتش بعد ، لكنّه فكّر في فقراء ذويه وبؤساء قريته المنسيّة ، استغلّ تلك الملابس المستعملة التي جمعها من الجمعيات في بلد إقامته ، ولأن القانون لا يسمح باجتياز كل تلك الأموال إلى الضفة الأخرى دفعة واحدة ، وضع مبلغا معتبرا في ظرف رسالة ودسّه بإحكام داخل جيب سروال طفل متخندق بين طيّات الملابس المدفونة جوف الحقائب .
مرّت الرحلة بسلام ونزل بين الأهل والخلّان ، كان الإستقبال حارّا حرارة شهر أوت في شمال افريقيّا ، أمّا الزوجة فأسرعت إلى تنفيذ وصاياه وقدّمت الحقيبة التي حملت شقاء ربع العمر إلى العائلة التي يشهد لها الجميع بالفقر والعوز ، خطوة نبيلة ، نسمات الفرح والابتهاج تتسلل إلى قلب الطفل المقبل على عملية جراحّية مؤجلة أرّقت الأب في جلب مستحقاتها ، جاء الدور على السروال ، لبسه بفرح وبحركة تمثيليّة وضع يديه في جيوبه وهو يقول : أنا أنيق ، تحسّس الأوراق ، أخرجها بسرعة ، ذُهل الأب وهو يقلّبها ذات اليمين وذات الشمال ، اعتقد جازما أنّ صاحب الإكرام فعلها سرا حتى يكون الأجر مضعّفا ،تنفسّ الصعداء وتلى قوله تعالى : ” ….ويرزقه من حيث لا يحتسب ” .
رجع ذاك المغترب بطيفه متأخرا إلى البيت ، لم يكن يعتقد أبدا أنّ الأمانات قد وصلت إلى أهلها ، استقبلته زوجته مستبشرة ، أخبرته بالأمر ، بُهت واستنفر ، أصابه الوهن وأدبر ، جحظت عيناه والوجه أصفر ، لا ذكر ولا استغفر … فسبحان من قدّر ودبّر .

أضف تعليقاً