كنا ثلاثةً أتراباً تحت سقف غرفة واحدة في ملجأ ” بابريكا ” بإحدى ضواحي قاهرة المُعز ..
المبنى قديم..تراثي لقصر آل للدولة منٌ ممتلكات أحد الإقطاعيين القدماء، تحيط به حديقة لم تمسها يد منسقٍ أو متطوعٍ منذ زمن طويل ، مُسورة بسور حجري عالٍ، وليس له إلا مدخل واحد تحكمه بوابة صماء ضخمة كأنها واحدة من أبواب السجون التاريخية.
بجوارالبوابة غرفة الحارس الأسواني “عبد السلام سبسي ” وهو من أبناء الدار طفلا وشابا وبوابا، وهومصاب بالشذوذ و لنا معه حكايات..
ثلاثتنا اليتامى على أعتاب البلوغ وقد غزتنا علاماته في موجات ملغومة بالشبق وبالرغبة الحميمية التي لا تنطفئ ..
برغم انسحاب ذواتنا، وانسحاقها اجتماعيا لأسباب تعلمونها، وانكسارنا نفسيا،وقدريا إلا أننا قررنا أن نهرب من دار لا يتغير شكلها،ولا أمل في انفتاحها على شمس الحياة وضيائها، سنهرب ونواجه مجتمع الأسوياء الذي لا يشعر بنا، بل ربما هو لا يرانا نمثل شيئا على خريطته .
تسللنا إلى أقصى ركن في حديقة القصر الخلفية وأحدثنا فجوة في جدار السور، وفي منطقة منه تتميز بكثافة الأعشاب،وضعف الرؤية..
قبل أن نتسرب كان علينا أن نلبي نداء أجساد غضة تتفجر في شراينها الرغبات المكبوتة والمحرَّمة فاتجهنا إلى خمارتنا المَخْفِيَّــةِ في صناديق الطرد بالحمامات ..وهي من ابتكار،وموروثات قدامى النزلاء جيلا بعد جيل .
لم نكن نرمي فضلات الفاكهة من عنب وتين ورمان وبطيخ ولا المشروبات الغازيةكنا نكدسها في واحد أو اثنين من صناديق الطرد المرتفعة بعضها فوق بعض وتغطى بلوح خشبي ومن فوقه حجر بازلتي يضغط الفضلات والفاكهه المتعفنة لتتحول تدريجيا إلى عصير من خمر معتقة فيها لذة للشاربين، ولهؤلاء الذين أدمنوا الوقوف أسفل الصندوق عند مَخَرٍ فيه يرفعون سدادته ويستقبلون بأفواههم قَطْرًا مُركزًا يُغَيِّبُـونَ به وعيَهم عن وجود لا معنى له ولا قيمة ..زرنا الخمارة أول شيء والكل نيام، حتى المشرف الليلي لم يحس بنا،كنا متأكدين أنه زبون دائم في خمارتنا التي لا تستطيع أن تخفي جاذبيتها ،ولا رائحة عفنها.
شربنا وتضلعنا تماما طوافين بها طواف الوداع، ثم تحولنا إلى غرفة عبده الأسواني ..أو كما كنا نناديه (عبده السبسي )..كان ساهرا يعاقر زجاجات البيرة وعلب {الْبِرِيلّْ} التي يشربها بشراهة ثم يملؤها ببوله ذي الرغوة العالية، ويرصها تحت سريره الحديدي طوال الليل صيفا أوشتاء لحاجة في نفسه ..غير بعيد منه كرتونة صغيرة بها بعض قنينات الكولونيا الشعبية، والتي تضبط مع شباب النزلاء ،وتصادر كمُسْكِرٍ ممنوعٍ بعد كل زيارة..
استقبلنا السبسي سعيدا، وقبَّلنا في أفواهنا بغنج،وبعدما بذق علقته مد يده بين فخذيْ كل منا يداعب ماكنا نخجل منه..لقد كان يقرأنا،ولا يبخل علينا بشيء فيه المتعة وفيه التناسي ،أعطانا سريعا مؤخرته وترك لنا حرية الفعل بلا غطاء ولا حياء ولا تردد ..
فاحت رائحتها نتنة ..أسرعنا للكولونيا ..تعاطيناها شرابا حارا لاذعا فضح ضعفنا ،وصغرنا..رششنا على مؤخرة السبسي الكثير منهاثم تركناه معلقا.مشبوبا، واتجهنا للخروج قبيل الفجر،نتمايل ونتضاحك لكننا فوجئنا ب(فيروز بادي) الحارس الجوال ليلا. . عملاقٌ مقبلٌ بهيئته التي لا تتغير..زنط مغربي بُنِّيُّ اللون يغطيه من فوق قلنسوته السوداء إلى أسفل عقبيه.. بيمناه عصاغليظة قُدَّتْ من شجر الخوخ يتجاوز طولُها طولَه بيسراه فانوس بترولي يُهَيِّجُ الحشرات والهوام أكثر مما يضيء ..
اختبأنا بالغرفة حتى حاذى باب الحارس فسمعناه يقول : ربنا يهْدِيكْ أو يهِدَّكْ ياسبسي ” بعدها قفز السبسي قفزة هائلة نحوه مشهرا في وجهه هراوة ضخمة ، وما إن يواجهه حتى يرتعد، يموء ويعوي ثم ينسحب في رخاوة وليونة؛ ويفسح الطريق لـه ليواصل جولته غير مبالٍ بشيء يرفع من إيقاع تراتيله و دعواته، ومن أهازيج دينية تُعَـرِّفُ به و بِمِلِّتِـه ..
خيم الهدوء والصمت إلا من صوت خشخشة هنا أو حركة هناك ؛فتسللنا يتآزر بعضنا ببعض إلى الفجوة التي سلمتنا إلى الشارع ثم إلى حياة ربما هي أسوأ مما نعرف ..
لم نكد نتميز على الطريق العام حتى رأيناه يتبعنا وينبحنا كأنه ينشد صحبتنا في الرحلة إلى بحر الظلمات ..
صار الكلب الضال يتبعنا ملحاحا كرفيق درب ونحن نتلاشى رويدا رويدا عن قصر بابريكا…

أضف تعليقاً