تَقُولُ لهَا : أنْتَ {يَا بُشْرَى} يَازَهْرَةَ الْبَسَاتِينِ، تَنَامِينَ فِي سُوَيْدَاءِ قَلبِي، أنْتِ أجْمَلُ مِنْ أزْهَارِ الْبَرَارِي..تِلْكَ الَّتِي تَفُوحُ عِطرًا فَوَّاحًا مُنْعِشًا لَذِيذًا، يَا بُنَيَّتِي،أرَاكِ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِقَلْبي قبْلَ عيْنيَّ، إنَّكِ يَا بُشْرَى تُضِيءِ أرْجَاءَ فُؤَادِي، تُنْعِشِ بَنَاتَ أفْكَارِي، تُعَطَّرِي رُوحِي بِشَذَى رُوحِكِ، أصَحِيحُ أنَّكِ تُحِبِّي ابْنَتُكِ بُشْرَى..؟! أجَل ..يا فَرْحَتَاه..! أمِّي ..جِئْتُكِ ارْتَشِفُ رَحِيقَ الْفَرْحَةِ، احْمِلُ لَكِ خَبَرًا سَاراً
، كَرَّمَتْنِي الْمَدْرَسَةُ،
01- حُرْقَةُ الظُلْمِ والتَجَاهُل مُؤلمَةً..مُجْحِفَةٌ..عَاشَتْ طفُولَةً هَادِئَة، فِي كَنَفِ بَيْتٍ آمِنٍ، تنْعُمُ بالدِّفْءِ والْحَنَانِ، تَتَمَتَّعُ بِالثِقَة فِي النَّفْسِ والأمَانِ، فَجْأةً جَرَفَتْهَا سُيُولُ الإهْمَالِ، فَتَحوّلَت حَيَاتُهَا إلَى جَحِيمٍ {فأمَّا اليتيم فَلاَ تقْهَر.}..آهٍ..من يَنْتَشِلُهَا مِنْ وَحَلِ التَجَاهُلِ والنِسْيَانِ سِوَى عَمَّتهَا ؟! كانَتْ تتردَّدُ عَليْهَا، تَقِفُ أمَامَ صُورَةِ أمِّهَا مُسْتَأْنِسَةً، َيتَمَلَّكُهَا الْحُزْنُ، تَفِرُّ الدُّمُوعُ مِنْ مُقْلَتَيْهَا {بُشْرَى} بُرْعُومَةٌ فِي عِزِّ تَفَتُّحِهَا، تِلْمِيذَةٌ بَرِيئَةٌ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ ابْتدَائِي، مَاتَتْ أمُّهَا، فَحَضَنَتْهَا عَمَّتُهَا، بَعْدَ أنْ تزوَّجَ والدُهَا، رَمَاهَا كَمَا يَرْمِي الُمُسَافِرُ فَضَلاَتِهِ، وزَهِدَ فِيهَا، فِي نِهَايَةِ عُطلْة الرَّبِيع، حَضَرَتْ حَفْل تَكْريمٍ فِي الْمَدْرَسَة، كانَت بحَق مُهذّبَة مُتفوَّقَة، مُرَتَّبَةً مَحْبُوبَةً مِنْ رَفِيقَاتِهَا، صَلْصَلَ الجَرَسُ وَصَلْصَلَ، خَرَجَتْ مِنَ الْمَدْرسَةِ، مُنتشيَّة وَقَلْبُهَا يَرْقُصُ فَرَحًا، تُخْفِي هَدايَاهَا، شهَادَة التكْرِيمِ فِي مِحْفظتِهَا، وقَفَتْ فِي مُفترَقِ الطَّرِيقِ لَحَظَاتِ مُحْتَارَةً مِن أَمْرِهَا، تَتَسَاءَلُ أيْن تذْهَب؟ أخْرَجَتْ دِفْتَر الامْتحَانَاتِ من مِحْفظتِهَا، تفحَّصَتْ النِّقاطَ مُبْتسمَة،هَمَسَت إلَى نَفسِهَا، هل تعُودُ إلى بَيْتِ عَمَّتها؟ أمْ تَذهبُ إلَى دَارِ وَالدِهَا؟ هِيَّ تُدْرِكُ أنَّ والدَهَا لايهْتمُّ بهَا إطلاقًا،الأبُ الحَنُونُ الشَّفُوقُ تحَوَّلَ إلَى وَحْشٍ، مُنْذُ أنْ تَزَوَّجَ، تصيحُ بِأَعْلَى صَوْتِهَا: لاَ.لاَ..سَأذهَبُ إلَى أمِّي..! إنَّهَا تَنَامُ هُنَاكَ فِي الْمَقْبَرَةِ، أجَلْ..أعْرِفُ مَرْقدَهَا، رَاحَتْ تُنْشُدُ:{ أحَبُّ النَّاسَ لِي أمِّي*** وَمَنْ بِالرُّوحِ تَفْدِينِي} مَشَتْ مُسْرعَةً وبحَذَرٍ شَدِيدٍ، أيقنَتْ أنّهَا أمَامَ بَابِ المَقبَرَة فَتلكَأتْ، دَلَفَتْ البَاحَةَ، الْمَكَانُ ودِيعٌ، لَكِنَّهُ مُخِيفٌ، الْمَقبَرَةُ مُقفَرَة، انْفَرَجَتْ شَفَتَاهَا عَنْ ضَحْكَةِ عَالِيَّةً، تَنِمُّ عَنْ خَوْفٍ وَرَجَاءٍ، الحُزْنُ يَغْزُو أغْوَارَ قَلْبِهَا،خَلَدَتْ إلَى الصَّمْتِ بُرْهَةً، ابْتَسَمَتْ ابْتِسَامَةً حَالِمَةً، نَادَتْ أمَّهَا بِصَوْتٍ مُرْتَفِع وَهِيَّ تَرْتَجِفُ: أمَّاهُ..اشْتَقْتُ إليْكِ، هَاأنَا جئتُ..أحْمِلُ إليْك مُفَاجَأَةً جَمِيلَةً سَارةً، دَعِينِي أعَانِقُكِ، أنَا بُشْرَى، أحَلقُ فوْقَ مَسَاحَاتِ الْمَكَان، أحْتَضِنُك..أرْتَوِي شهْدًا مِنْ شَفتيْك، هَلْ ترَيْن عَيْنَيَّ اللاَّمِعَتيْن، إَّنّهَا لَيْسَتْ دَامِعَتين كَمَا كُنْتُ أفْعَلُ، دَعِيني أحَدِّثكِ، أنَا مُبْتَهِجَةٌ كثيرًا بِلقائِك، أنْتَ فِي مَخْبَأ قَلبِي،هههه..وَهَمَسْتْ إلَيْهَا، كأنَّهَا تُخْفِي شَيْئًا ثَمِينًا، أخذتُ مُعَدَّلاّ مُبْهِرًا {تسْعَة فَاصِل}هههه.. مَامَا..هَلْ تسْمَعِين؟ مَالَكِ تَلْتَزِمِينَ الصَّمْتَ وَلاَ تُجِيِبينَ؟ إنِّي اخْتلسَتُ مِن الزَّهْر بَاقَة مُكتَنزَةً، جَمِيلَةً كَشَفَتَيْكِ، وضَعْتَهَا فَوْقَ الضَّرِيحِ، إنِّي أحِبُّك..لمْ أحِبَّ أحَدًا غَيْرَكَ، حَتِّى الأزْهَار لم أعُد أحِبُهَا مِنْ أجْلِكَ،لأنَّهَا تُشْغِلُنِي عَنْ حُبِّكَ، وتُخْفِي عَنِّي صُورَتَكِ الْجَمِيلَةِ، أمِّي أنَا أحِبُّ الأزْهَار كثيرًا لأنَّهَا تُشْبِهُكِ،أرَى فِيهَا صُورَتَكِ.

02-توهَمَت أنَّ أمَّهَا تهْمِسُ إليْهَا تُحَدِّثُهَا، وَهِيَّ لا تدْرِي، تَقُولُ لهَا : أنْتَ {يَا بُشْرَى} يَازَهْرَةَ الْبَسَاتِينِ، تَنَامِينَ فِي سُوَيْدَاءِ قَلبِي، أنْتِ أجْمَلُ مِنْ أزْهَارِ الْبَرَارِي..تِلْكَ الَّتِي تَفُوحُ عِطرًا فَوَّاحًا مُنْعِشًا لَذِيذًا، يَا بُنَيَّتِي،أرَاكِ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِقَلْبي قبْلَ عيْنيَّ، إنَّكِ يَا بُشْرَى تُضِيءِ أرْجَاءَ فُؤَادِي، تُنْعِشِ بَنَاتَ أفْكَارِي، تُعَطَّرِي رُوحِي بِشَذَى رُوحِكِ، أصَحِيحُ أنَّكِ تُحِبِّي ابْنَتُكِ بُشْرَى..؟! أجَل ..يا فَرْحَتَاه..! أمِّي ..جِئْتُكِ ارْتَشِفُ رَحِيقَ الْفَرْحَةِ، احْمِلُ لَكِ خَبَرًا سَاراً
، كَرَّمَتْنِي الْمَدْرَسَةُ، قبَّلَتْنِي الْمُعَلمَةِ، مَنَحَتْنِي شَهَادَة وهَدِيّةً جَمِيلَةٌ جدًا، الْمَدْرَسَة قَرِيبَة مِنْ هُناَ، لكنَّهَا تَخْتبِئُ وَرَاءَ أسْوَارٍ عَاليَّة، كَمَا تخْتفِي أنْتَ تحْتَ أكْدَاسِ التُرَابِ، أمِّي واحْتَضَنَتْنِي، أعْطَتْنِي هَذِهِ الوَرْدَة، أنَا أضَعُهَا هُنَا عِنْدَ رَأْسِكِ،هِيَّ…اسْتيْقظتُ هَذَا الْيَوْم مُبَكِّرًا كَعَادَتِي،عَمَّتِي تَهْتمُّ بي كثِيرًا، تَعْتَنِي بِهِنْدَامِي، تُرَافِقُنِي إلَى الْبَابِ، مِسْكِينَةٌ تحِبُّنِي كَثِيرًا،الآنَ هِيَّ تَنْظُرنِي بِشَغَفٍ، فهَلْ تَسْمَحِي لِي بالعَوْدَةِ ؟! سأجِدُ عَمَّتِي فِي انْتِظَارِي عِنْدَ الْبَابِ، هِيَّ الْوَحِيدَةُ الَّتِي تُحِبِّنِي وَتَعْتَنِي بي، تُحدِّثُنِي عَنْكِ كَثِيرًا، تَمْنحُنِي قَوَافِلَ الْكَلمَاتِ، الَّتِي تحْمِلُنِي أليْكِ فِي كُلِّ وَقْتٍ، تمُدُّنِي بِالْحَنَانِ، هِيَّ الآنَ فِي انْتِظَارِي، رَجَاءً، اهْتِفِي إليْهَا، اخْبِرِيهَا بِأنِّي فِي الطريق إلَى البيْتِ، وقبْل أنْ تَنْصَرِفَ، وَضَعَتْ قِطَعًا مِنَ الْحَلْوَى عَلَى الْقَبْر وَبِطَاقَة مِنَ الزُّهُور، مشتْ مُلتفتَة تجفِّفُ دمْعَهَا، أدْرَكَتْ أنَّهَا وَحْدَهَا فِي الْمَكَانِ، وأنَّهَا تَمْشِي فِي صَمْتٍ خَائِفَةٍ، وَلَمَّا وَصَلَتْ الْبَيْتَ، سَألَتْهَا عَمَّتُهَا: لِمَاذَا تأخَّرْتِ يَا بُشْرَى؟ انْتَصَبَتْ وَاقِفَةً، تُحدِّجُ بِنَظْرَةٍ خَجْلَى، تَقُولُ:ذَهَبَتُ إلَى أمِّي! ماذا تَقُولِينَ؟! أخْبَرَتُهَا بأنَّ المُعَلمَة أعْطتْهَا جَائِزَةً وقبَّلتْهَا، لَكِن أمِّي لَمْ تُجبْنِي وظلَّتْ صَامِتَةً، لاَ أدْرِي لِمَاذَا؟ أحَقًا ذَهَبْت إلَى الْمَقبَرَةِ ؟ نظرَتْ إليْها نظْرَةً حَيْرَى فِيهَا حُبٌّ واسْتعْطَافُ وَحَنَانٌ، ابْتِسَمَتْ ابْتِسَامَةً خَفِيفَةً رَاعِشَةً مُخْتَلِجَةً، وُلِدَتْ اللَّحْظَةُ عَلَى شَفَتَيْهَا الْوَرْدِيَتَيْنِ، وسَقَطَتِ العَبَرَاتُ عَلَى وَجْنَتَيْهَا مُنْهَمِرَةً، أجَلْ..ذهَبتُ وحْدِي، تأبَّطتُ مِحْفظتِي، وعُدْتُ مُسْرِعَة، فَصَرَخَتْ عَمّتَهَا مُلتَاعَةً مِنْ هَوْلِ مَا سَمِعَت، فَغَرَتْ فَاهَا،ارْتَعَدَتْ فَرَائِصُهَا، بَكَتْ بُكاءً مُرًا، والْكَلمَاتُ تُمَزَّقُ شِغَافَ قَلْبِهَا،َ خَوْفًا عَلَى بُشْرَى الْعَزِيزَة،عَانَقَتْهَا وَضَمَّتْهَا إلَى صَدْرِهَا، وهيَّ تقُول: مرَّة أخْرَى لا تَذْهَبِي وَحْدَكِ، وَبِدُونِ اسْتِئْذَانِ..! الذِّئَابُ تَفْتَرِسُ الأطْفَال الَّذِينَ يَمْشُونَ وَحْدَهُم بِدُونِ مُرَافَقَةٍ خَارِجَ الْمَدِينَة، أمُّك مَيِّتة، والمَيِّتُ يَا بُنَيَّتِي لا يَتحَدّثُ وَلاَ يَرَى”..قَالَتْ: يَاأُمِّي..مَنْ الَّذِي يَرَانَا وَلاَنَرَاهُ؟ أجَابَتْهَا: اللهُ هُوَ الَّذِي يَرَانَا وَلاَ نَرَاهُ “.. وَهَلْ نَسِيتِ يَا بُشْرَى..أنِّي أنَا أمُّكِ..؟! وهَمَسَتْ فِي نَفْسِهَا هَمْسًا خَفِيفًا، وانْزَوَتْ مُنْكَفِئَةً عَلَى نَفْسِهَا، تأكُلُهَا الْحَيْرَةُ والدَّهْشَةُ، ثُمَّ قَالَتْ: رُوَيْدَكِ..هَمَسَاتُ الْحَيَاةِ كثِيرَةٌ، لاَ تُعَدُّ ولا تُحْصَى، انْسَابَتْ دُمُوعُهَا بِغَزَارَةٍ، وَهِيَّ تَقُولُ بِتَعَثُرٍ مِنْ شِدَّةِ الَخَوْفِ: الْحَمْدُ للهِ عَلَى السَّلاَمَةِ،ولله در من قال:{إنَّمَا النَّاسُ لأمِّ ولأَبٍ} ومَرَّتْ بَعْضُ الدَّقَائِق صَامِتَة، بَيْنمَا بُشْرَى هِيَّ الأُخْرَى تَلتَزَمُ الصَّمْتَ ثُمَّ تقَولُ: فهِمْتُ يَا أمِّي، وَارْتَمَتْ فِي أحْضَانِهاَ تقبِّلُهَا مُعْتذرَة.!