..ماكان امامنا من خيار، سوى الاعتياد على حياة جديدة، غريبة، لم نخلها قط، كي ننجوا من الموت الاسود المندفع كالهواء من كل مكان. والتخلي عن حياة قديمة ظننا اننا نعيشها كما نشتهي بالعرض وبالطول، لكن بعض الظن، بل جله، كان وهما.! وهكذا، بين عشية وضحاها، صرنا قابلين للتخلي عن ما لم يخطر ببالنا قط انه يمكن التخلي عنه ذات يوم؛ وصار كل همنا ان لاتشرق شمس اليوم الموالي على عيوننا وقد ملأها التراب، فعداد الموت في ساعة الجائحة لايتوقف.! لهذا لم نتردد، بعد ان ثبت للعلماء والمتخصصين في مجال الاوبئة، ان الڤيروس الاسود اللعين منشأه اللغة، ودون ان يحسموا بعد في ما إذا كان قد تطور من حروف العلة فيها او أن أحدا حاول استكمال فعل ماض ناقص في صرفها، لكن مع قطع لايشوبه شك حول طريق انتقاله السريع سرعة النار في الزيت عبر تبادل الكلام، لهذا لم نتردد في التخلي عن ملكة الكلام بعد ان صارت اللغة عشا للوباء، كغيرنا من الناس الذين قبلوا الخضوع لعملية إبكام طبي تعطل اللسان تماما عن القدرة على الكلام، مادام الموت الزاحف كظلال المساء يهدد الجميع بالخرس الى الابد، كحل وقائي وحيد امام غياب الدواء للحد من انتقال العدوى مع تطاير رذاذ الحروف الموبوءة في الاثير، وإلا سيقطع أي لسان رفض التخلي عن ملكة الكلام.! فهرولنا انا وزوجتي، قبل ان تطرق الجائحة ابواب بلدتنا المغلقة، الى عملية التلقيح الوقائية كي يهمد لساننا عن الكلام تماما، بانتظار انجلاء الجائحة، وبعد ان اطمأنت زوجتي الى امكانية احتفاظ لسانها بالقدرة على اطلاق زغرودة متى شاءت، وأيقنت انا من كون التلفاز سيواظب على اعطاء دروس مكثفة ومبسطة عن لغة الاشارة للذين لايجيدونها مثلي.! وهكذا صرنا نحاول ان نعتاد على حياة البكم، ونجلس، طويلا، امام التلفاز الذي اصبح صندوقا مرئيا لاصابع لاتتوقف عن الاشارة، نعض على اجساد تصطك من الخوف، واحاول كتلميذ مجد ان اتابع دروس تعلم لغة الاشارة للمبتدئين، وتتبع الاخبار بالاعتماد على زوجتي التي تتقن لغة الاشارة احسن مني، دون ان استطيع التعبير لها عن شكوكي في كيف اكتسبتْ تلك القدرة، هي التي نَمَتْ في بيت ليس فيه ابكم؟ لهذا نُمْتُ، حزينا، وفي خيالي صورة لزوجتي، وهي فتاة ناضجة بعد، تقف خلف نافذة مواربة في بيت ابيها، وتكتب باصابعها اشارات غرامية وتاريخا لموعد قريب.! لكني استيقظت، فزعا، على يدها وهي تهزني، ونظرت إليها بشيء من الغضب، فرأيتها تبتسم مع استغراب باد، وتحرك اصابعها وكل جسدها لتفهمني أني لم أعد اشخر كالمعتاد ، الامر الذي كان يضايقها كثيرا؛ وحين فهمتُ، رأيتها تضع يدها حول فمها وتطلق زغرودة حارة، فلطالما قالت انها ستزغرد ليلة أكفُّ عن الشخير، لكني لم اسمع الزغرودة، وأيقنت اننا لم نعد بكما وحسب بل صرنا صما ايضا، ولم استطع العودة الى النوم من جديد!.
- بُكْم وصم
- التعليقات