خطة تم نسجها في ليلة أخرى كان قمرها واضحا وضوح الوادي الذي تخلل “تامدة ” وأنساب نحو الحقول البعيدة ، وتعرج ، وتموج وكان يزرع الحياة وراح يشكل شريطا أخضر ينطلق من قلب “تامدة ” من بين البساتين الكثيفة ، نحو الحقول المكشوفة فالمنحدرات الصعبة ، يتمزق أحيانا ثم يلتئم ، ليتلاشى ويغيب تماما لما يختلط بالودي الكبير ، ويفقد هو الأخر هويته …
عندما نكون صغارا تبدو الأشياء من حولنا عظيمة ، بينما ننمو ونكبر تبقى هي وفية لقدها ، فذلك الجدار الذي كان يوارينا أثناء اللعب أصبح غير قادر على التستر ..فضحنا الجسم والفعل ، لقد كبرنا وكبرت معنا أشياء كثيرة لم تعد ملاذاتنا قادرة على احتوائها كما كانت تفعل لما كنا صغارا..
أشيائي الصغيرة بقيت كذلك .. و قمر ظل يماشيني يراقب خطواتي ويجرني إلى ليلة لم تكن ليلته ولا ليلتي … وجهه الشاحب بات يحاكي همي ، وراح يغازل أوجاعي التي زادها البعد اتساعا ..
من سرق جنتي ، من قتل القمر في عيني تلك الليلة وسحب من بين ذراعيّ الربيع ؟ … بل من يعيد إليّ دنياي وحديقتي الغناء وجنتي الوارفة الظلال ” تامدة “* … هناك حيث امتزجت الفصول واعتدل الجو فبات كل زمانها ربيعا مقيما … وأنا الآن أحبذ أن تكون آخر أنفاسي على تلك الصخرة أرنو إلى ” الشرشار “** الذي انبلج من قلب الجبل الذي احتضن ” تامدة ” بحنو وظل يحميها من كل نازلة …
وأنت …
حضورك كان حدثا … كلما عدت إلى القرية تجمعنا حولك فتشدنا بحديثك الغريب عن جهة نجهلها ، عن عالم لا ينام ، محلات لا تغلق وشبان وبنات يتنزهون ، يتحدثون يتسامرون … هناك يمكنك أن تصافح فتاة أن تجلس معها في مطعم أو في مقهى دونما حرج … وكنا نطرب لحديثك نتعجب ونغرى و نتمنى …
وها أنت اليوم ليلتي الموعودة … حلم أراه ، أمسكه فيأخذني في زهو أبدي إلى عالم مجنون …حيث الأنوار الوهاجة والمسارب الضيقة ، والشوارع المفتوحة هنا التيه أمل ، وماض العمر ذكرى ليليّات حزينة رحلت… ولن تعود ..
وتأتين أنت ، تتوشحين الصفعات ، بلا قمر ،بلا نجوم بلا أضواء متثائبة ، تشبهين النهار وقد سرق منك السكون هدير المحركات وأبواق السيارات التي لم تلجمها قداستك … وقد كشفت عنك الستار هذه المصابيح التي نثرت في كل الأماكن وعند جميع الممرات … وفي الجانب الأخر ؛ الجانب المستور الذي يرتاده صنف لا يحب النور نشاط من نوع أخر…
تبينت كل الأماكن هنا وعرفت هويتها وأخذت عدة كل واحد منها ..وهذا المكان كنت تعرفه جيدا لقد اخترته بدقة وعناية … وكنت تغريني وتسحبني إلى وكرهم وأنا أتبعك مبهورا بالذي سأقع عليه بعد حين ! ..وتطلب مني أن أسرع ، وأمتثل لتدعني هناك وترحل … تتركني بين ذئاب كشرت عن أنيابها وأفواه أدركت كنهي وعرفت اسمي ..بينما غاب اسمك لما حاولت أن أناديك وأنت تتركني أواجه مصيري … وأتفق الكل من حولي ، هذا الأخر ، هذا الكيان ،هذا العالم الذي لا ينام … يتذكر الكل ويتعرف على الطريدة جيدا ، وتكون الوحيد الذي ينسى ..بل كنت من تذكر ..كيف جاء ، كيف عبر الديار ، أعتلى السطح وأعلن :
– سوف تغدو الدار داري والبنين …
و أنا أردد نفس المقال:
– وشمعة أشعلتها ، لتنير للقادمين ، للعابرين ، فقط ليعبرون …
خطة تم نسجها في ليلة أخرى كان قمرها واضحا وضوح الوادي الذي تخلل “تامدة ” وأنساب نحو الحقول البعيدة ، وتعرج ، وتموج وكان يزرع الحياة وراح يشكل شريطا أخضر ينطلق من قلب “تامدة ” من بين البساتين الكثيفة ، نحو الحقول المكشوفة فالمنحدرات الصعبة ، يتمزق أحيانا ثم يلتئم ، ليتلاشى ويغيب تماما لما يختلط بالودي الكبير ، ويفقد هو الأخر هويته …
أحاول النهوض من كبوتي ، وأظهر قوتي ، لكنها تكشفني رائحة الطين وينهزم لديّ الأصغران؛ لساني المتلعثم يعجز عن إصدار أي صوت ولو كان رجاء …وقلبي يزيد نبضه … يزيد ، فيسلم ..
وماذا بعد ؟ .. إن الذي قدم علينا كان وحيدا وكان منبوذا تكشفه رائحة الطين … لكنه أقام بيننا …
قال جدي :
– لنقل ، حضر الغريب ، عاش الغريب ، مات الغريب وما أثمرالغرباء …
لكن رائحة الطين كانت أقوى ، علت كل الروائح وفاحت في كل نواحي الوادي لتكون السائدة وقد أذكاها صوت “الشرشار” لما تدفقت مياهه وتطايرت وهي تصفع وجه الصخر ، وزادها انتشارا تغريد العصافير ، ليحتفل المكان ويستمر العرس ..
عرسه هو ..
وقدمت أنت علينا قبلناك بينا ، و كنا نسميك باسمك ، و نسعد لما تحضر ، ونبتهج وأنت تحدثنا عن مغامراتك وشجاعتك ووفائك للتراب وكنا نصدقك …
لقد كان جدي على حق لما هجر القرية ، وكان” الشرشار” على حق، لقد اكتوى من خيانة التراب فجف ولم يعد ينبه طائرا فيغني ولا يسقي شجرا فينمو …بل رحل حزينا تاركا آثارا نقشها على وجه الصخر ذات أفراح قبل قدومك
- تامدة : قرية صغيرة قيل إن اسمها يعني عين الماء المتدفقة
** الشرشار : اسم أطلقه سكان تامدة على الشلال