تمخّض عنها صباحٌ.. رأيناها تعالج بقايا صخرة تتوسّط الشّارع الشّرقيّ، تمسحها براحتها، تلملم تصدّعات فرّت منها تأوّهات تحجّر النّبض في رحم الصّلد ذات حين، تجمع أغبرة تناثرت كدقيق ذرّاه عصف ريح هجهاج تلاعب بمدينة الصّمت التي تؤرجحنا في كفّها كمارد مجنون.. حسبناها بعض دراويش العرب..
تدافعنا حولها بالمناكب عساها تهبنا بعض فوح بركة العالم الذي منه تغترف نظراتها الشّاردةَ.. ضجّت السّاحة بوشوشاتنا وضجرت تلك التّائهة بين شعاب بقايا الصّخرة بأنفاسنا المحمومة حولها..
صفعت نظراتنا المتلهّفة بوجه كالصّقيع، كبعث الموتى، شاحب هزيل تنخره صفرة بلا ذاكرة للرّوح في انتثاراتها… تدافعنا القهقرى فزعا.. تبدّد سراب بَرَكة الأوّلين فينا.. توارينا خلف جدران يسكننا جليدها وفيها تعشّش عتمة خطانا المجترَّة بلا ذاكرة للوقعة الاولى من شفا الحلم الأخير.. من بين ستائر الوجل المسدَلة بتنا نراقبها.. نتمتم:” أنّى افتضّت خطاها عذريّة الكلمات في أقفاص أفكارنا المسبيّة..؟ أنّى ولجت نوافذ حيرة مهجورة فأمست لهاأجراس لا تخرس، وللقول مرامد لا تني تتوقّد..؟”
طفقت حساكة التّسآل تنخرنا وترمينا مواجعنا على عتبات الصّبر الموصدة.. كلّما ابتلع قفا المدينة النّهار تلاشت كذوب الشّمع أو بقايا كيان أو أغبرة الصّخرة المنسيّة.. لا ندري أشرنقتها السّماء أم اندسّت في رحم الأديم أم بينهما باتت هطل ندى للفجر الوليد رواء… كأمّ تهدهد وليدها المعفّر بلزاجة الرّحم كانت تظلّ تمسح جبين الصّخرة الهامدة..
من بين ستائر الوجل المسدلة على أجنّة التَّسآل كنّا نراها تجول نظراتها في منافذ المدينة، بين مغاليق قِرَب السّماء، على أسطح المباني المتشرّدة على تخوم الشّارع الشّرقيّ.. من نظراتها تنسكب مجامر نداءات عقيمة نكاد نسمعها من فرط مطاردتها لكنّنا لا نفقه لها معنى..
تلاحقت لهاثات الشّمس والدّجى.. من بين ستائر الوجل المسدلة على وابل حيرة وفضول رأيناها.. البدر يتربّع في عرش السّماء.. نحيب يتعالى في جنبات الشّارع القبليّ المثقلة صقيعا..
توسّدت بقايا الصّخرة اليتيمة.. عيناها تتعلّقان بجدائل الضّياء الوهنة.. أجراس كلماتها تخلخل أضراس الصّمت المنخورة بمعاول تَسآل أصدأها تيه العبارة عن معابر بَرد الجواب.. تعالى رنينها.. غرقنا في وحل نواحها وهي تردّد:” على طلل دارنا تاهت ألواني وأنا أنتظر انبثاقكَ إليّ من خلف أجمة سنين الدّجى تنفض عنّي رماد وعد أُريقت حممه على قارعة زمن مقفر ذَراه العمر في أتون النّسيان.. تيبّست ذرّيّة الحلم في رحم الانتظارات ثمّ تفتّقت أكمامها العقيمة فذرتها الرّياح الشّمأل في بيد الجنوب.. عمّر الخواء جراب خطانا وأنت هناك، خلف أمانيّ تلعق أحلام النّمل يجاهد بذرا يتشبّث بأسمال خصب سنين رؤيانا…”
يتجهّم وجه السّماء..
يشرق صمت المدينة بوابل عبراتها وهي تلوك أنّاتها:” أنّى أمضي دونك عينا جفاها الدّمع على قاب أنّة أو أدنى من نهر الحنين..؟ أنّى أتجرّع علقم الإياب إلى الدّار المفرغة من خطاك تضمّ إلى صدر الوصال خطاي والدّرب يأبى انتهاء..؟ تمرّ خوافقي لاحقها أمرّ من سابقها، تبكينا السّماء ويقهقه الحزن في تجاويف وجعي.. ترثينا ديار العرب الثّكلى ثمّ تندمل ندوبها على حرائق الأندلس القديمة.. وأنت هناك في حصون طروادة تهلّل للحصان الإلهيّ، تردّد حكايا ألف ليلة وليلة بينك وبينك، ثمّ بينك والجدار وتنتظر صيحة ديك الخلاص..”
شاهدناها، والبدر يتسلّل بين جحافل غيم بهيم يبرُد سيوف بُروقه، ترتخي أطرافها فتنحني على بقايا الصّخرة العاجّة بحكايا الدّار.. أنّاتها باتت أخفت..
أصخنا السّمع خلف ستائر الوجل المسدلة على فيوض الوهن..
تناهت إلينا صرخات روحها المتبلبلة:
” تكسّرت البوصلة ذات عاصفة مجنونة الهوى..
تشتّت فينا الخطى.. سدّ مأرب عادت تنخره جرذان الخديعة.. والشّام يقرضها نهم الدّجى.. مصر حاصرها الغياب وعَدن كفرت بالأنبياء.. صلاح الدّين ظلّ الطّريق والبحر لفّ علّيسة في موج النّوى.. غارت في طين التّيه الأسود كلّ المُنى وتُهتُ بعدك يا خالد بين مرامد سفننا ووعد الإياب..
هل بات في العمر عمر لبعض انتظار..؟ هل مازال في الدّرب درب لجمع الخطى..؟ أنّى أُلفيك وذاك الوجه المَرَقَّع يسكنني فأرتسم فيه متسوّلا يبني من الرّغيف المتيبّس قصورا لبنت السّلطان فتندسّ في أسماله سائلة أن “للّه يا محسنين” وهو بيُبس الرّغيف عنها ضنين..؟ تساقطت الأقنعة.. ما أبشع مذاق التّعرّي.. ! فأنّى سكاكر الزّيف تُسكر النّهمين..؟”
يتوارى البدر خلف جحافل الغيم الحاملة على وجه المدينة إثخانا.. جسدها بات متكوّرا كجنين في الرّحم.. افترّ ثغرها عن حلم.. أبرقت السّماء وأرعدت وتهاوى ودق يغرق المدينة.. الطّرقات تتجرّد من جِلد العتمة يدفعه السّيل بعيدا.. من الجسد المتكوّر، يلملم هلالا من بقايا الصّخرة المنسيّة في الشّارع الشّرقيّ، يمتدّ شعاع نور يُمسي أشعّة تمتدّ إلى الأفق تُحبله شموسا وبدورا لا تتوارى خلف وهن الغياب.. ظللنا نراها كوما من التّيبّس المضيء يتوسّط الشّارع الشّرقيّ فترتجف خطانا على تخومه ونعود أدراجنا لا نملك إليها وصولا..
رأيناه..
يمضي إليها كالثّمل.. حولها يدور كمتعبّد.. عيناه مثبتتان عليها ويده بفؤاده متعلّقة وخطاه مموّهة فلا نحن نعلم إن كان هو المقترب منها أم هي المنسحبة إليه.. يزدادان تدانيا فيزداد الشّعاع المنبثق منها توهّجا وتزداد شموس الأفق وبدوره نورا طريّا ليّنا يضيء الأكوان ما كان منها وما سيكون…
من بين ستائر وجل أزحناها بتنا نتقفّى تدانيهما.. نكاد نقطع أنفاسنا ونحن نتابع خطى الصّمت تنسج حكاية نوشك نألفها ونخشى التيه عن دربها..
ظلّ يقرفص أمام اليُبس المضيء الشّاخص إلى السّماء سَبعا.. ظلّ يسكب دمعا على اليُبس المضيء الشّاخص إلى السّماء سَبعا.. ظلّت الأرض ترتوي والمدينة تهتزّ للخافق المهتاج سَبعا.. وظللنا بين الستائر المزاحة نراقب الوصال ونرقُب نَزّ قرب الوجد سَبعا…
على همسات وهمهمات أصبحنا.. تدافعنا إلى الشّارع القبليّ بعضنا يلملم خطى بعضنا..
رأيناهما..
منتصبة كطود من ضياء، جدائل النّور فيها تتراقص على همسات الجسد الهزيل المورق كغصن عانقه الرّبيع قبل لنسلاخ اللّيالي.. على عاتقها الشّامخ ينحني هامسا مزهرة أنفاسه.. انزوينا قصيّا نتسقّط الكلمات..
سمعناه صوتا من وجد ووله:” وحيدا… ما عاد في الدّرب عبق لخطاي.. مُذ قرّ بينُ الغياب عاف العمر خبب الأماني بلا لحن يُلقمها شهد انتساج جدائل المعراج.. أحنّ إليك رفيقا يدفع معي ثنيّة الخطو إلى منتهاها ويطويها فيلتقي البدء والمنتهى ونعيش العمر مرّتين، ونصّعّد سماءنا نوشّيها بأنجم منها ينبجس نبع الضّياء.. هلمّي نعود القهقرى، نشهد ولادتنا، نرقع خورا كان بها ونعيد رسم طريق بلا انشطارات خطى.. نسطّر دربا جديدا بلا غياب ولا فقد ولا فوتَ لعمر نريد…”
رفعت إليه وجها من نور.. تمتمت:” قدرنا كان كيانا فَوتا.. نغصّ بطول الأيّام مفرغة من خطونا، ونشرق بساعاتها المثقلة انتظارا لغد يرفعنا بلا عُمد زرعناها.. ثمّ حين تمضي تذوب أصابعنا في أفواهنا شوقا إلى ما انقضى منها.. فوت يقزّم أحلام العمر وينثرها على أديم الوجود تتلقّفها أفواه السّعداء ونظلّ على بؤسنا نخلق الأحلام وننفخ فيها من روحنا فتحلّ في أرض الاخرين بواسق يانعة قطوفها دانيات…”
ارتشفت عيناه من نورها قبسا..
همس:” ضرب من العبث كان ذاك الكيان.. أنّى نظلّ ندفع الصّخرة حتّى الذّرى، وإذ ننتشي بالإدراك نتوه خلف وهم الظّفر بسدرة المنتهى ترتخي سواعدنا فتتراجع وتفطسنا وفرحَ الانتشاء.. صدى بعيد يرغمنا على النهوض مفطوسي الوجوه والأحلام.. ورجع صدى آخر يدفعنا إلى صخرتنا نقبّل طرفها الذي هصرنا، ندعو له بالثّواب، ثمّ نستأنف الدّرب، نرمّم الأجساد ونلعن الغياب..”
تعانقت العيون الموغلة في يمّ العمر تنهل منارات العزم نحو مرافئ غد نضر..
سمعنا لبقايا الصّخرة المنتصبة بينهما همهمة ودمدمة ثمّ حشرجة كدبيب الرّوح على حساكة الفقد الأخير..
تدافعنا نتوارى أكثر وفي الخيال ألف مارد وعنقاء وغول..
همست الأرض تحت خطانا:” وهل من خلّ ودود..؟”
كأنّما سمعا خيالاتنا وهمساتها.. صدح صوتاهما متماهيين:” إنّا يا دربُ، غدا فجر يدحر ليلا بهيما ظلّ يصلب الأماني على تخوم مضارب النّور ويئد أحلام العمر الوليدة.. إنّا الضّياء، غدا، يرأب تصدّع الخطى ويرتق فلول دروب سئمت انتظار تصعّد نحو الذّرى فلا يمطر الخطو ولا هي منه ترتوي.. إنّا هنا بين القباب والمآذن وتراتيل أجراس الحنين نزرع،غدا، في رحم الصّقيع ربيعا يورق حلما رُطبه ما كنّا قبل شنق أهازيج غرناطة وبعد احتراق الرّبيع وبين دروب أحلام مصر أمّ الهلال النّفيس، والشّام حَرَم نور السّرمد، والصّومال مرجا خصيبا، والمغرب زمزم عشق بهاء الوجود…”
في الشّارع الشّرقيّ تلملم الصّخرة فلول الوجع..
تنتصب جسرا بينهما وأفق الضّياء..
نراهما.. نسكن بين النّبض والنّبض فيهما..
تتشابك أيديهما..
يلتحم جسداهما.. يتماهيان.. نبع ضياء يمسيان..
يصّعّدان..
منهما يتناثر في الشّارع الشّرقيّ نخيل الأهواز مثقلا رُطبا، ودجلة والفرات يدفقان وعدا وحُبّا، وخمائل الإكليل والزّعتر والغار وجنان الزّيتون والفستق تصدح بترانيم حلب وعشق الشّام وصحائف العرب الفيروزيّة…
يصّعّدان..
عدن على ضفاف الشّارع الشّرقيّ تزهر صحراؤها جنانا.. وإلى القدس بتنا نحجّ كلّ عشيّة..
يصّعّدان..
تحتضننا المدينة.. تُلقمنا ضروع الحياة..
يصّعّدان..
فينا تينع فراديس أرض النّبوّة ونمسي آلهة شهد الانتظار…
- تباشير الشّارع الشّرقيّ
- التعليقات