انتهى الأمر على خير، بالنسبة لي على الأقل، وأطلق سراحي بعد يومين قضيتهما في أحد أقسام مكتب التحقيقات الفيدرالي.
قال لي المحقق:
– نأسف على التجربة الصعبة التي مررت بها سيد نجار، لقد كنت متيقناً من برائتك منذ الوهلة الأولى، ولكن المسألة لم تكن بسيطة وكان لابد لنا من التحقق.
قلت له بنبرة لاتخلو من العتب:
– أقطن هنا، في الولايات المتحدة الأمريكية، منذ عشرين عاماً، حصلت على الجنسية، ولم تسجل بحقي ولا حتى مخالفة مرور واحدة، أليس هذا كافياً لأعامل كأي مواطن أمريكي آخر؟ أم إن أصلي الشرقي سيبقى علامة فارقة تميزني عند أي حادث يقع في الجوار؟
– لاتظن ياسيدي بأنه لو وقع أي مواطن أمريكي آخر ومن أي أصل كان في الوضع الذي وقعت فيه لاحتجز لمدة أقل من اليومين التي أمضيتهما عندنا، أعلم بأننا كنا مضيفين ثقيلين بعض الشيء، ولكنه الواجب، وتصور لو كان السيد كمال فوزي محلنا، في البلاد التي جاء منها، كم كانت ستستغرق مدة احتجازه لك؟
وجدت كلام المحقق منطقياً، لم أملك سوى أن أشكره وأودعه، لأقفل راجعاً إلى شقتي الصغيرة.
بعد الحمام السريع ووجبة الطعام الأسرع، وبمجرد أن وضعت رأسي على المخدة، تقافزت من ذاكرتي الأحداث التي مررت في اليومين الماضيين لتفرض نفسها على ذهني، فتحرمني من القيلولة التي اعتدت عليها في مثل هذا الوقت من النهار.
حين استدعاني المدير إلى مكتبه، لم يكن يخطر ببالي إلا أن تكون المهمة التي سيكلفني بها كأية مهمة أخرى اعتدتها، فعملي كخبير مختص بتخطيط وإدارة المزارع يتطلب أن أجوب مزارع من يرغبون بالحصول على خدمات الشركة التي أعمل فيها.
قال لي السيد روجرز، مديري المباشر:
– أنظر إلى مالدينا هنا يا محمود، رجل من أصل عربي مثلك، يدعى كمال فوزي، يمتلك مزرعة ويرغب بأن يكون زبوناً لنا، هذا الرجل يختلف عن غيره بأمرين، الأول هو إنه ثري جداً ويمتلك مزرعة كبيرة ولو نجحنا في كسبه فسنربح الكثير، والثاني هو إنه سبق وأن اتصل بنا مرتين قبل الآن، وفي كل مرة نرسل إليه مندوباً فيستقبله ويثرثر معه كثيراً ثم يبدي تردده في التعامل معنا، لذا قررت أن أرسلك أنت هذه المرة، وإن لم تتوصل إلى اتفاق معه فسنتجاهل منه أي طلب مستقبلاً.
كنت أمام بوابة مزرعة السيد كمال فوزي بعد ساعة واحدة فقط من لقائي مع المدير، اتصل الحارس الهندي بسكرتير كمال وحصل على الإذن، فسمح لي بالدخول بسيارتي إلى حيث المنزل المشيد وسط المزرعة، كان منزلاً فخماً يقع وسط المزرعة الخضراء، وكان يعج بعلامات الرفاهية، سقف من الآجر الأحمر وجدران من الكلس وأرضية من الرخام وحمام سباحة ومقاعد وثيرة وأثاث من خشب الأبنوس، تساءلت في نفسي كيف يكون المنزل الأصلي لكمال فوزي هذا إن كان هذا حال منزله الريفي؟!.
لبثت في الانتظار لبضعة دقائق فقط حتى دخل علي ذلك الرجل المميز، كمال فوزي، رجل جاوز الخمسين من العمر، ذو جسد ممتليء، وبشرة حنطية وشعر أسود فاحم لم ألحظ فيه سوى ثلاث أو أربع شعرات بيض، وبعينين عسليتين كبيرتين وشاربين كثيفين، نهضت من مكاني ومددت يدي فتلقفته يده وصافحني، شعرت بقوته من هذه المصافحة، دعاني للجلوس ثانية وجلس هو قبالتي، سألني مبتسماً وعيناه ثابتتان صوبي على نحو أشعرني ببعض الرهبة:
– إذن فأنت الخبير الذي أرسلته الشركة؟
– اسمي محمود النجار.
– عظيم، أنت عربي، اسمك يوحي مبدئياً بأنك مصري أو سوري، وربما من دول المغرب العربي، ولكن ملامحك أقرب إلى أن تكون عراقياً أو ربما خليجياً.
– أنا من أصل عراقي.
– هل كان جدك نجاراً؟
– بل جد والدي.
– وماذا كان يعمل جدك؟
– تاجر أقمشة، وأبي كان محاسباً، من أي بلد سيادتك؟
– من بلاد العرب، وهل سيشكل فرقاً عندك لو عرفت من أي بلد أنا بالتحديد؟
أحرجني برده هذا، ولاحظ هو حرجي فاتسعت ابتسامته وأضاف:
– أرى بأنك تنوي الآن أن تعتذر مني على ما أظهرته أنا على إنه فضول منك، رغم إنك تعلم جيداً بأن الأمر ليس كذلك، فلقد سألتك عن تفاصيل أكثر من ذلك، وبالتالي فإن سؤالك لي كان بدافع اللباقة ليس إلا.
قال هذا باللغة العربية وليس بالإنجليزية التي كان نتحدثها في البداية، ولقد كان يتعمد فعلاً أن يخفي عني البلد الذي ينحدر منه، فقد قال كلامه بلهجة محايدة قريبة من الفصحى، واختار المفردات بعناية كي لا أتبين لهجته الحقيقية، كما إنه لفظ كل الأصوات بشكلها الصحيح ولم يستخدم صوتاً تخلو منه الفصحى.
تأكدت من إنه شخص غريب الأطوار، وعليَّ أن احتمل أسلوبه الغريب من أجل أن أنجز مهمتي، ولكنني أحسست برغبة ملحة لأن ألاعبه قليلاً:
– ومن قال لك ياسيدي بأنني أنوي الاعتذار، بل إنني أريد أن أسألك عن السبب الذي يجعلك تتحرج من مصارحتي ببلدك الأصلي، هل الأمر يتعلق بكوني عراقي الأصل؟
ضحك مليء شدقيه بطريقة أربكتني، ثم أوقف الضحك وارتسمت على وجهه ملامح الجدية، وقال وهو يلقي نظرة خاطفة على أصابع يدي التي انتبهت إلى إنها كانت تنتفض كأصابع عازف بيانو يراجع النغمة قبل أن يشرع بالعزف على آلته:
– محاولة جيدة منك، رغم إنها مألوفة جداً.
ثم عاد يسلط نظره على عينَّيَ، وأردف قائلاً:
– لا عليك ياصديقي المنحرج، مارأيك ببعض القهوة؟
– كما تحب.
نهض من على المقعد وتوجه إلى بار يشرف على صالة الاستقبال أجلس، شرع بإعداد القهوة، وهو يقول:
– أحب أن أقوم بالكثير من الأعمال بنفسي رغم إنني ثري ولدي مايكفي من الخدم، هل تود أن أكلمك قليلاً عن حياتي؟ لأثبت لك على الأقل بأنني كالكتاب المفتوح ولست شخصاً يحيط نفسه بهالة من السرية!
رغم غرابة عرضه، إلا إنني اضطررت لأن أوافقه عليه مع إنني لم أكن في الحقيقة مهتماً به، استرسل في كلامه:
– أنا في السابعة والخمسين من العمر، نشأت في عائلة فقيرة، ولكنني تمكنت من خلال المثابرة على الدراسة والعمل، واستطعت وأنا في الخامسة والثلاثين من العمر أن أكون شخصاً مهماً في بلدي، شخص يفعل الكثير ليحفظ البلد بأكمله من المخاطر التي تهدده، بذكائي وحسن تدبيري للأمور أصبحت محل ثقة رؤسائي في العمل ومحل ثقتهم، ومع كل هذه الجهود لم أحرم نفسي من متع الحياة، عرفت الكثير من النساء الجميلات اللواتي أغرمن بي، تذوقت أفخر أنواع الخمور ولكن من دون أصل لدرجة من الثمالة تفقدني اتزاني، زرت بلاداً كثيرة واستمتعت بتلك الزيارات كل الاستمتاع، وجمعت ثروة لأعيش بها حياتي الخاصة هذه منذ أن تقاعدت عن العمل منذ خمس سنوات… هل ً ترى بأنني أكون إنساناً ناجحاً هكذا؟
– أنت أدرى مني بذلك… متى سنبدأ العمل؟!
قلتها متظاهراً بهيئة الرجل العملي الذي لايملك وقتاً للثرثرة، شاعراً بأنني أزيح عن صدري حملاً ثقيلاً، ولكن لم يمنحني كمال فوزي فسحة من الوقت لأتلذذ فيه بردي الذي تصورته يعيد لي اعتباري إزاء عجرفته، فقد ابتسم وقال لي من وراء البار:
– أعرف بالتحديد مالذي أثار حساسيتك مماقلته وأعذرك عليه، مع إنني لم أكن لأتوقعه من رجل مثلك جاوز الأربعين من العمر، إلا إن طبيعتك الشرقية تجعل المقاييس مختلفة بعض الشيء.
– لم تثر حساسيتي أبداً، كل ما في الأمر هو إنني أتيت إلى هنا لأقدم لك خدمة محددة وأعود من حيث أتيت، لست مضطراً لأن تحدثني عن حياتك الخاصة.
– تقصد بأنك أنت الذي لست مضطراً لأن تستمع إلى قصة حياتي، تريد أن تبدو أمامي رجلاً مهنياً يؤدي واجبه من دون كلام أو خوض في تفاصيل لا طائل منها، ولكنني للأسف، مضطر لأن أقول لك بأنك لست كذلك، ولو كنت كما تحاول أن تصور لتركتني استمر بالسرد وتكتفي بعده بموافقتي على كل ما أقول، وإن لم تكن مقتنعاً به.
سكب القهوة في قدحين فخاريين أنيقين، ودنا مني وناولني أحدهما، شكرته وارتشفت جرعة سريعة، جلس هو قبالتي، ثم قلت له بهدوءمصطنع:
– ومالذي جعلك تتصور بأنني لست مهنياً؟ هل اطلعت على سيرتي الذاتية على سبيل المثال؟
– لاعليك، ليس من المهم أن تثبت لي إن كنت مهنياً أم غير ذلك، ولكنني أرغب في أن نتحدث قليلاً قبل الشروع في العمل، فهل ترغب في أن تلبي رغبتي هذه أم لا؟
لم أتبين فيما لوكان محدثي هذا رجلاً عاقلاً أم مصاباً بمرض نفسي، ولكنه غريب الأطوار بالتأكيد، وجدت بأنه من الأفضل أن احتمله وأسايره:
– لامانع لدي في ذلك، كلمني عن نفسك فقد بدأت تثير فضولي.
– جميل، لنكمل الحديث، هل ترى بأنني رجل ناجح إن حققت كل ماكنت أصبو إليه؟
– يفترض هكذا.
– ولكن هل تعلم؟ لقد حققت كل ماكنت أظنه جديراً باعمل من أجله، وأهملت ما كنت أظنه مضيعة للوقت، ولكنني كنت مخطأ على ما أظن.
– تعني الزوجة والأولاد.
– لا، لقد تزوجت وورزقت بأولاد، هم يعيشون مع الآن مع والدتهم.
– فهمت، تعني بأنك كنت مخطئاً بعدم حرصك على الحفاظ على عائلتك، فكان الطلاق.
– الطلاق كان نتيجة من نتائج أخطائي وليس سبباً لها، وكان عليَّ أن أتوقعه، فنادراً ما تحتمل امرأة رجلاً مثلي، فقد كنت أخرج إلى العمل منذ الصباح الباكر وأعود مع مغيب الشمس، لأغفو لساعة أو اثنتين ثم أسهر خارج البيت حتى بعد منتصف الليل، علاوة على أسفاري الكثيرة، وفوق كل هذا وذاك، علاقاتي النسائية التي لم أبذل جهداً حقيقياً في أن أخفي أخبارها عنها.
لم أجد كلاماً مناسباً لأعلق به على ما يقول، اكتفيت بالصمت وإظهار بعض الأسف على حاله، بينما استطرد هو:
– علاقاتي النسائية كانت بسبب حبي لزوجتي.
لم أفهم معنى كلامه المتناقض، بقيت على صمتي منتظراً توضيحاً منه، جاءني التوضيح ولكنه كان ناقصاً:
– لدي رغبات خاصة مع النساء لايمكن أن أشبعها مع زوجتي التي أحبها، فكان لابد من نساء أخريات لهذا الغرض.
نهض من مكانه وقال بصوت مليء بالحماسة:
– هلّا تلاعبني الشطرنج؟!
وافقته استمراراً في الانقياد له، قمت معه وسرنا قليلاً لنجلس إلى طاولة فخمة نصبت عليها رقعة شطرنج مرصوصة الأحجار، أجلسني إلى حيث الأحجار البيضاء وجلس هو إلى السوداء.
– هل تتوقع بأنني أعطيتك البيضاء لتبدأ أنت باللعب إكراماً لك، باعتبارك ضيفاً لدي؟
– بل أتوقع بأنك تريدني البدء لتتعرف على طريقتي في اللعب وتختبر مدى قوتي بسرعة أكبر، لاسيما وإنك تلاعبني للمرة الأولى.
– أصبت، هات ماعندك إذن.
حركت البيدق المقابل للملك، فحرك هو البيدق الذي يقابله، ثم قدمت بيدق الوزير مربعاً واحداً فأبرز لي حصاناً، كان دستاً ممتعاً وصعباً بالنسبة لي، كنت أستغرق في التفكير قبل كل نقلة أقل من نصف دقيقة، وكان هو أسرع مني بقليل، لم نتكلم أبداً طوال الدست الذي انتهى بفوزي، هنأني قائلاً:
– أنت لاعب جيد.
قلت له من دون مجاملة:
– رغم إنني تغلبت عليك، إلا إنني موقن بأنك أكثر مهارة مني في الشطرنج، لاحظت الفرق بين نقلاتك في النصف الأول من الدست وبين نقلاتك بعده، أحسبك حاولت مساعدتي لأتغلب عليك.
قال لي، ولكن هذه المرة بنبرة بعيدة جداً عن أسلوبه المتعجرف، وإن كان بذات اللهجة المحايدة التي يستخدمها بإتقان ليخفي بها بلده الأصلي:
– ملاحظة ذكية منك، وأنا متأكد بأنك صادق فيما تقول، لي طلب بسيط آخر أرجو أن تلبيه لي قبل أن نبدأ جولتنا في المزرعة، أرجو أن ترافقني لأريك معرضي الصغير.
– بكل سرور.
سرت معه إلى القاعة التي أسماها معرضه، تصورت بأنني سأشاهد فيها مجموعة من التحف النادرة أو اللوحات التشكيلية، ولكنني وجدت المعرض يضم بضعة عشر صورة فوتوغرافية مؤطرة لنساء شرقيات، يبدو بأنهن من بلده الذي يخفيه عني، كان فيهن الجميلات ومتوسطات الجمال بل وحتى إن أحداهن كانت دميمة نوعاً ما، وبينما كنت أتفحص الصور، قال لي:
– هذه الصور هي للبعض من النساء اللواتي مارست الجنس معهن.
تذكرت ماقاله عن رغباته الخاصة، فقلت له مندهشاً:
– لا أرى فيهن عاملاً مشتركاً، فأفواههن وصدورهن ليست متشابهة بل هي بأحجام متباينة، إلا إذا كان العامل المشترك فيهن يتعلق بجزء من الجسد لا يظهر في صورة ملتقطة من قُبُل، وأعني به…
قاطعني قائلاً:
– رغباتي الخاصة لا ترتبط بأي شكل من الأشكال بأي جزء من الجسد، ولاحتى بالجمال، فيكفيني في العشيقة فقط أن تكون امرأة، وأن أمارس الجنس معها بصورة طبيعية بعيدة عن الشذوذ، أما المواصفات الأخرى التي أبحث عنها، فهي أن تكون سعيدة في حياتها، وأرغمها على ممارسة الجنس معي خوفاً من سلطتي التي تمكنني من أن أحيل سعادتها إلى شقاء في حال رفضت إقامة العلاقة معي، وأحرص على التقاط صورة لها وهي سعيدة قبل أن ابتزها، لاستذكر وجهها المشرق بالأمل والابتسامة كما ترى في هذه الصور، وكيف نجحت في جعلها تعيسة بذكرى جعلتها تضطر فيها إلى تمكيني من جسدها.
صعقني بكلامه هذا، إنها سادية من نوع فريد، توجست منه خيفة، فمن يكون بمثل هذه الرغبة الشاذة فإنه لا يكتفي باشباعه في الجنس فقط، بل حتى في سائر سلوكه مع الآخرين، وقد لاحظ خوفي فأضاف وكأن أنصت إلى ما يجول في فكري:
– نعم، ليس في الجنس فقط، ولكن الجنس هو المجال الأوسع، وبعد أن فقدت سلطتي في بلدي واضطررت إلى المجيء إلى هنا، زالت قدرتي على تحقيق ما أصبو إليه، ولكنني بين الحين والآخر، أجلب إحدى بائعات الهوى إلى هذه المزرعة، وأعطيها ضعف ما تطلب من ثمن، لقاء أن تتظاهر بأنها تمارس معي الجنس مرغمة، ومن تنجح بأداء الدور بشكل متميز، أجزل لها العطاء أكثر، صورهن وهن مبتسمات في غرفة أخرى إن أحببت أن أريك إياها فعلت.
– كلا، أشكرك، لا رغبة لي في رؤيتها، وأرجو أن لا يزعجك هذا.
– كلا بالطبع.
أردت أن اسأله عن الذي يمنعه من أن يعرض حالته على طبيب أو محلل نفسي للعلاج، وقبل أن اتكلم قال هو:
– بالفعل، وكما تفكر أنت الآن، راجعت أطباء ومحللين لغرض العلاج، ولكن دون جدوى، إما لأن الحالة لدي مستعصية، أو ربما لأنني لست جاداً تماماً في أعماقي بأن أعالج، فرغم معرفتي بأنني أعاني من حالة مرضية تؤذي الآخرين، ولكنني استمتع بها كثيراً، أعاني فقط من بعض الكوابيس، ولكنني أنساها، أو بالأحرى أتناساها في الصباح، لدي سؤال لك وأرجو أن تكون صادقاً معي.
– تفضل.
– أظن بأن ذاكرتك قوية.
– نعم، بالفعل هذا ما يعرف عني.
– جيد، سؤالي لك هو التالي، منذ أن التقيتني ولحد هذه اللحظة، ومن جملة الأمور التي تحدثنا فيها، هل تعتقد بأنني كذبت عليك؟
– كلا.
– أنا أعلم بأنك صادق في جوابك هذا، ولكن لأكون صريحاً معك، فلقد كذبت عليك كذبة واحدة فقط، سأتأكد تماماً من مقدار ذكائك وقوة ذاكرتك أن أخبرتني أي تفصيلة تظن بأنني كذبت عليك فيها.
أجبته على الفور وبدون تردد:
– قولك بأنك فعلت الكثير من أجل أن تحفظ أمن بلدك، لقد فعلت الكثير بالفعل، ولكن ليس من أجل بلدك بل من أجل رغباتك الشخصية، أما عدا هذا، فأنا مصدق بكل كلمة قلتها.
وأخيراً نجحت في إدهاشه، رأيت ذلك على وجهه بكل وضوح وهو يهتف:
– بالفعل، أنت عبقري، من هذه اللحظة أعلنك صديقاً لي، ولكن، يالسخرية القدر، ربما تكون هذه أقصر صداقة عرفتها البشرية!.
لم أفهم ماكان يعني بالضبط بعبارة أقصر صداقة، إلا إنني راهنت على إنه يعني بأنه شخص متقلب المزاج وقد يسقطني من صداقته صباح اليوم التالي، وهذا أمر مألوف جداً لمن هو غريب الأطوار على شاكلته.
خرجنا من المنزل، وجدت سيارة فيراري حمراء مركونة، مد يده في جيبه وأخرج منه ساعة توقيت وقال لي:
– أرجو أن تحتمل طلباتي الغريبة، هذا هو آخر طلب صغير، أريد أن أختبر سيارتي الجديدة هذه، سأقودها وأرجو أن تضغط الزر عندما أصل إلى تلك الشجرة الباسقة هناك، لتعد الوقت الذي سأستغرقه لحين عودتي إلى حيث هي متوقفة الآن.
التقطت منه الساعة، ابتسم قبل أن يركب السيارة وقال كلاماً غريباً:
– أنا واثق تماماً من أنك ذكي جداً، وستخرج من هذا المأزق الصغير بمنتهى السهولة! ولهذا اخترتك صديقاً لي.
لم أفهم عن أي مأزق يتكلم، ولم اسأله، فلقد سئمت الحوار معه الذي يشابه لعبة الكلمات المتقاطعة، فتركته يركب السيارة ويشغل المحرك وينطلق بها، وحين وصل إلى الشجرة التي أشار إليها، ضغطت على زر التوقيت، فانفجرت السيارة واستحالت كتلة من ركام محترق وهو بداخلها، جثة هامدة.
- تجربة
- التعليقات