..نهضتُ من قيلولتي المعتادة، بعد أن كانت الحاجّة قد ذهبت رفقة السائق إلى إحدى صديقاتها، والخادمة قد غادرت إلى أسرتها كعادتها كل مساء أحد. فكان لزاما علي أن أعد قهوتي بنفسي، وأحملها بيدي إلى الكرسي في الحديقة حيث أستمتع بقدرتي على تثبيت الكأس فوق كرشي التي تمتد أمامي كطاولة من لحم وشحم، بانتظار إقتراب موعد صلاة العصر. فتحملتُ عناء كرشي العظيم، ودفعت قدمي اللتين صارتا تشكوان في الآونة الأخيرة من ثقل كرشي أمامي وكُلّي إصرار على عدم الإصغاء إلى شكواهما كي لاأمنح الشامتين فرصة أكبر لتعميق شماتتهم، وقصدتُ المطبخ..لم يستغرق إعداد القهوة وقتا طويلا، فلقد وَسِعتْ نعمة الكهرباء كل شيء، ولهذا سرعان ماحملتُ كأس القهوة في يدي، بعد أن ازدردت بضع قطع من الحلوى اللذيذة التي أدعو العلي القدير أن لايغيبها لحظة عن لساني في الدنيا ويعوضني بأحلى وأشهى منها في الآخرة، ودفعت كرشي العظيم أمامي عبر الباب في إتجاه الحديقة الوارفة حيث الكرسي المعتاد عقب كل قيلولة وقبل صلاة العصر، وأنا لاأبصر من رجلي المحتجبتين تحت كرشي سوى البلغة الصفراء في مقدمة القدم، وفي خيالي صورة لكرش تنتهي مباشرة بقدم دون المرور عبر الفخذ والساق، فيم إبتسامة رائقة تتمايل على شفتي..لكن، وقبل أن أسترخي في جلستي وأثبت الكأس على طاولة من كرشي العظيم، وجدتُ نفسي أهوي على ظهري، بعد أن تكسر مسند الكرسي فجأة وانخسف تحتي. فأصابني ذهول قاتل، إذ لم يسبق للكرسي أن إشتكى من ثقلي، أو أنَّ تحتي كما صارت تفعل قدمي في الآونة الأخيرة. حاولت أن أتذكر ماإذا كان قد لمّح إلى أنينه ذات جلسة ولم أهتم. عصرت ذاكرتي ولم أستخرج سوى الزُّبد.! كما لم أفهم لماذا أختار الكرسي ذلك يومَ الأحد لاغيره، حيث كنت وحيدا في البيت ولا أحد يمكن أن يسرع لنجدتي إذ لن أستطيع النهوض لوحدي ورجلاي تتأرجحان في الهواء.؟ لماذا لم يفعل ذلك في وقت آخر، حين تكون الحاجة والخادمة والسائق في الدار.؟ فأيقنتُ أن العين اللعينة تبعتني إلى عقر حديقتي، وخسفتِ الكرسي بي، وجعلتني أضحوكة في عين حسادي، وإن لم يرني لحظتها أحد منهم. أولئك الأنذال الذين ياما إستهزؤوا من كرشي وعيروني بضخامتها التي هي عظمة، فكنت أرد عليهم بحزم : من كان منكم بكرش فليأت بمثلها، لكن أنى لهم أن يربوا ويرعوا كرشا بعظمة كرشي وينفقوا عليها ماكنت أنفق. وكنت أدفعها أمامي في خيلاء وأدوس بها على عيونهم الحسودة التي كانت تتمنى لو تبقرها.! لكني وجدت نفسي في وضع غريب، وتمنيت أن يقع أي شيء، إلا أن يراني أولئك الأنذال واقعا تحت ثقل كرشي ولاأستطيع من تحته نهوضا، وكنت مستعدا لحظتها أن أدفع نصف ثروتي مقابل أن لايقع هذا.! فخلتُ الأمر مجرد كابوس سيتلاشى مع شروق اليقظة، لكن حقيقة كرشي الضخم كانت تضغط على أنفاسي، وصرت أختنق أكثر كلما تململت في مكاني محاولا النهوض.فطفتْ على سطح ذاكرتي صورة قديمة من زمن بعيد كنت إبانه طفلا صغيرا يلهو بمنظر خنفساء سوداء مقلوبة على ظهرها وأرجلها الرقيقة تتأرجح في الهواء على أرض ملساء.. ورأيتني خنفساء كبيرة مقلوبة على ظهرها بين أنقاض الكرسي، تخبط بأرجلها الهواء سدى، إلى أن تتوقف عن الحركة تماما وتستسلم نهائيا لقدرها، ولايتبقى في الأخيرة سوى قشرة سوداء كبيرة كحقيبة فارغة.! فشعرتُ بإختناق حاد ، وأحسست بسائل دافء يتدفق بين فخذي المترهلين، وتوقعتُ الأسوء مندفعا من تحتي، فأردتُ الصراخ، رغم شماتة الحساد، ولم أستطع..!

أضف تعليقاً