..إنها زوجتي حقا، لم أخطأ الظن.! لازال جزء من ذاكرتي سليما بعد كل الذي حدث.! لكن ذاكرتها تجمدت عند صورة لي وأنا اختنق وراء جهاز تنفس اصطناعي في غرفة انعاش، بعد ان اصابنا الفيروس اللعين ونُقلنا الى المستشفى على عجل، إذ شفيت هي ومت انا.! لم تصدق بالمرة، وهي تتفرس اسمالي القذرة المتهرئة وغرتي الوسخة فوق لحية طويلة شعثاء، ان اكون انا هو زوجها الذي لازال حيا يرزق من قمامة؛ واكدتْ بقطع ان المرحوم زوجها قد مات دون ان تلقي عليه نظرة اخيرة او يواري احد جثته الموبوءة الى مثواها الكئيب.! ثم لملمت دمعة فاضت من بين رموش عين طفح حزنها، واسرعت هاربة قبل ان تغلبها نوبة بكاء موجع من جرح عميق لازال ينزف.! تسمرتُ في مكاني كدمعة عالقة لاتستطيع العودة الى العين ولا السقوط على الارض، لااعرف كيف اقنعها اني زوجها الذي تظن انه مات، خصوصا واني لااتوفر على بطاقة تعريف، وبلاشك شطبوا اسمي من بين الاحياء في سجلات الحالة المدنية.! هبط اليأس علي ثقيلا كستارة النهاية، فتوقفتُ، بعد ان سرت لبضع امتار اتبعها دون وعي بخطوات شاردة، ونظرتُ باندهاش صاعق الى صورتي على واجهة زجاجية لمتجر يقابلني : محال ان اكون انا هو.! زوجتي على حق، لقد متّ.. وهذا الذي حولي ليس الدنيا، وإلا لكانت تعرفت علي زوجتي.! إنه البعث حيث لااحد يعرف احدا..لكن لماذا تعرفت عليها انا.!؟ أهذا عذابي الخاص غربة مطلقة اتجول في دهاليزها شبحا لايعرفه احد.!؟ أهذا جحيمي الخاص احتراق بين عمر مبتور وموت لم يكتمل.!؟ أي عذاب هذا، وانا لم أجْنِ على احد.!؟
كدتُ اصرخ. كدت اضرب رأسي المشعث بالجدار..فكرت ان ألقي بنفسي بغتة امام العجلات في الشارع..لكني واصلت جرجرة اقدامي دون وجهة محددة، متخبطا بين صور مشوشة تتدافع في رأسي: ( تارة اراني ممددا، عاريا، بجلد مزرورق، تحت شمس تعبر في لامبالاة مطلقة سماءها العتيقة، وفوق ارض من جبال شبه جرداء حولها خلاء غريب. افتح عيني، فيشكني الضوء. احرك جسدي العاري، فيخزني الحصى. استجمع ماتبقى من قواي وانهض، فتتلوى قدمي كما من سُكر واسقط.. انهض، اترنح، اسقط..انهض، اسقط..اتدحرج، اجر جسدي المفكك، واهرب من عري يلبسني، وفي حلقي عطش يابس.. ازحف بجسدي العاري على الحصى والاشواك، باتجاه واد به ماء، أصله، واشرب اشرب اشرب.. وحين ارفع رأسي كدابة عن صفحته الصافية، يطالعني وجه زرقته الكدمات، فاغمض عيني، واغيب..!)؛ ( وتارة اخرى اراني اصرخ باعلى صوتي، واحاول بكل قوتي انتزاع جسدي من قبضات تشدني، بعد ان نزعتني قسرا من امام عجلات جرافة شرعتْ في هدم بيتي الذي قيل انه عشوائي، وإزالته من امام عمارات زاحفة؛ ولااستطيع شيئا وانا ارى دموع زوجتي المحطمة تختنق وراء سحابة من غبار نفخها عنق الجرافة الطويل وهي تطبق على سقف بيتي المغلوب على امره.!)؛( وتارة ثالثة اراني رافعا شارة النصر، مرابطا عند خيمتي بين الانقاض، مصرا على حقي امام غول العقار الذي اراد ابتلاعه. لكن مجموعة من السيارات تقف، فجأة، امام خيمتي بينها سيارة اسعاف، ينزل منها اشخاص ببذلة غريبة كأنهم رواد فضاء، ويتقدمون إلي على باب الخيمة، وقبل ان افتح فمي يبادرون الى رشي، وزوجتي بمعقم، ويقولون: انتما مصابان بالفيروس.! ولااستطيع شيئا امام دوار يعصف برأسي، فيملأ الظلام عيني، واسقط فاقدا الوعي.!)،( وتارة رابعة اراني مكوما على نفسي، في اسمال قذرة، جائعا، خائفا، بين عرمرم من المشردين في قاعة مغلقة، لانستطيع مغادرتها، ليس خوفا على صحتنا، بل من ان يتشرد الفيروس معنا عبر الدروب، ويصل الى من يعلو شأن صحتهم.!) لكن سيارة فخمة توقفت امامي، فجأة، جعلتني استعيد شيئا من صفاء دماغي وبعضا من قدرة على التركيز، فاكتشفت نفسي جالسا على قارعة الرصيف، مقابل المكان الذي كان فيه بيتي، حيث انتصبت بناية عملاقة تناطح السحاب، اتابع شخصا، ببطن منتفخ وجثة ضخمة، نزل من السيارة وراح يتفقد الاشغال التي لم تنته بعد، فتذكرته، وقلت لنفسي بصوت عال: إنه هو..! هو الذي وقف وراء تهجيري وشطب بيتي من الوجود، ووراء اختطافي تحت ذريعة الوباء وإلقائي في مكان بعيد خال جسدا هامدا عاريا.! لكني عدت الى الحياة، وعدت الى مدينتي، بعد وقت طويل لااستطيع تحديد كم استغرق، قضيت جزءا كبيرا منه تحت الحجر الصحي في قاعة مزدحمة بالمشردين، ودون ان اعود الى خيمتي التي لم يعد لها أثر، ولا الى زوجتي التي تظن اني اختنقت وراء جهاز تنفس اصطناعي ولم اعد بين الاحياء.! لهذا نهضت من مكاني أغلي غضبا بشكل لم اعهده في نفسي من قبل، وكلي رغبة في الانقضاض عليه وتمزيقه إربا، لكن طوقا من زبانيته كان يلتف حوله كجدار، جعلني اكبح رغبتي الجارفة، واتركها الى لحظة مناسبة، ورحت افكر في ضرورة الحصول على مدية، فطفتْ على سطح دماغي ذكرى بعيدة، من زمن ولى، كنا فيه اطفالا يافعين نلعب بسيوف نصنعها من قصدير صلب نضعه على السكة الحديدية لتمر فوقه عجلات القطار ويصير حادا كالسكين، فقلت لنفسي بحزم: لابد ان اعثر على قطعة قصدير مناسبة، وتوجهت الى محطة سكة الحديد دون تردد.!

أضف تعليقاً