كان محمّد ووائل صديقين حميمين، يسكنان نفس الحيّ والشارع، لا يملّان من زيارة بعضهما البعض، ولا يملّان التنافس في كلّ الألعاب، كان التعادل سيّد المواقف بينهما، فإذا تفوّق محمّد مرّة، تفوّق وائل في المرّة القادمة، حتّى في المدرسة يجمعهما قسم واحد وطاولة واحدة، والجميع مستمتع بجوّ التنافس بينهما، كانا متعادلين في كلّ شيء، في أناقة المظهر وحسن الأخلاق، في النقاش والمشاركة داخل القسم، في القراءة الصحيحة الخالية من الأخطاء، في الخطّ الجميل، في إنجاز الواجبات، وفي نقاط الاختبارات، حتّى في حصّة الرياضة يجمعهما التعادل في مختلف النشاطات الرياضيّة، كان الجميع يتساءل: أيّ شيء يمكن أن يتفوّق فيه أحد على الآخر؟.
ذات يوم جلسا مع بعضهما بعد أن انتابهما الملل من التعادل، وباقتراح من محمّد، قرّرا خوض تحدّ جديد، وبعد نقاش طويل اتّفقا على أن يختار أحدهما التحدّي الخاصّ به ويبقيه سرّاً بينه وبين نفسه، على أن يكون هذا التحدّي مبهراً ومسموعاً في كلّ مكان، ثمّ انطلقا، كلّ على طريقته يبحث عن تحدّ يكسب به الرهان ويجعله متفوّقاً ومشهوراً.
يبدو أنّ محمّداً كان يعرف ما يريد منذ البداية، فقد سجّل اسمه في مسابقة “القارئ الصغير”، وكلّه نشاط وثقة بالفوز خاصّة وأنّه مولع بالمطالعة والقراءة، وهوايته المفضّلة شراء الكتب والقصص، ومرّت الأيّام ومحمّد يحقّق النجاح من مرحلة لأخرى، وبعد تنافس شديد بين المتسابقين افتكّ محمّد عن جدارة واستحقاق التأهّل إلى المرحلة النهائيّة رفقة تسعة من المشاركين، حيث حدّدت اللجنة المنظّمة للمسابقة تاريخ الدور النهائيّ الّذي سيشهد تعيين الفائز وتوزيع الجوائز، ولمّا تلقّى محمّد دعوة رسميّة من ساعي البريد للمشاركة في الحفل، فرح بها كثيراً وانتهز الفرصة ليزور صديقه في البيت ويدعوه للحضور معه،
وقبل أن يصل إلى بيت صديقه، وقف محمّد لبرهة يتأمّل وائلاً وهو جالس وحده، حزيناً وشارد الذهن، ظنّ في البداية أنّ صديقه مريض أو أنّه فشل في التحدّي. اقترب منه وسلّم عليه وصافحه، ولكنّ شيئاً غريباً كان مرسوماً على ذراع وائل، تأمّله محمّد جيّداً… وقال في نفسه متعجّباً:
– إنّه رسم “الحوت الأزرق”
تسمّر محمّد في مكانه، ارتسمت الحيرة على محيّاه وأحسّ بالخوف، وأدرك أنّ صديقه قد اختار التحدّي الخطأ.
– إنّها لعبة الحوت الأزرق الشرّيرة، لعبة تحدّي الموت… صديقي وائل في خطر.
قال محمّد في نفسه، فكّر ثمّ فكّر، وخطرت بباله فكرة، نظر إلى صديقه وقال له:
– لقد تأهّلت إلى الدور النهائيّ من مسابقة “القارئ الصغير”، وستذهب معي إن شاء الله لحضور الحفل.
تردّد وائل في قبول الدعوة، لكنّ محمّد أصرّ وقال له:
– لن أذهب من دونك… ستذهب معي، ولك عندي مفاجأة رائعة.
في موعد الحفل، حضر محمّد ومعه والداه ووائل، دخلوا إلى قاعة كبيرة جميلة، كانت ممتلئة بالأطفال وعائلاتهم، وقد تزيّنت المنصّة بالأعلام والأضواء، وفي الوقت المحدّد أخذت لجنة التحكيم مكانها، ودخلت المنشّطة إلى المنصّة بلباسها التقليديّ الجميل، وبعد أن عمّ الهدوء، رحّبت بالجميع، ونادت على المرشّحين العشرة، الواحد تلو الآخر، تميّز محمّد بالأداء الرائع، حيث عرض تجربته في المطالعة وأفصح عن نيّته في أن يكون عالماً يفيد العالم بعلمه واكتشافاته، وصفّق له الجمهور طويلاً على ذكائه ونباهته، وبعد انتهاء مشاورات لجنة التحكيم، سلّمت ورقة النتائج النهائيّة إلى المنشّطة، ساد هدوء وترقّب داخل القاعة، المنشّطة تتمعّن في ورقة النتائج وتنظر إلى الجمهور، تتنهّد بعمق، ثمّ تعلن بصوت مرتفع:
– أيّها الحضور الكرام، أجمعت لجنة التحكيم بفوز محمّد بمسابقة “القارئ الصغير” لهذا العام.. مبارك.
تعالت التصفيقات والأهازيج داخل القاعة، وطار محمّد من الفرحة، وعانق والديه وصديقه وائلاً الّذي نسي أحزانه وشارك محمّداً هذه اللحظة الرائعة، صعد محمّد إلى المنصّة لاستلام الجائزة الّتي كانت عبارة عن ظرف يحتوي على مبلغ هامّ من المال، وشهادة شرفيّة جميلة، ووساما ذهبيّا، وفي الأخير طلبت المنشّطة من محمّد أن يقول كلمة للحضور بمناسبة فوزه، استلم مكبّر الصوت من المنشّطة وقال:
– إنّها لحظة رائعة فعلاً، أنا سعيد بهذا الفوز، وأشكر والدي وكلّ المعلّمين والزملاء الّذين ساعدوني وشجّعوني، واسمحوا لي أن أطلب من صديقي وائل الصعود إلى المنصّة، صعد وائل تحت تصفيقات الجمهور ثمّ أكمل محمّد حديثه:
– لقد فزت بهذه المسابقة بفضل التحدّي الّذي كان بيني وبين وائل، لقد كان هذا التحدّي دافعاً كبيراً لي لأفوز وأظهر موهبتي في المطالعة، ولأنّه صديقي المفضّل أهديه وسام المسابقة.
وضع محمّد الوسام في عنق صديقه وتعانقا، نهض الجمهور مصفّقاً مطوّلاً على هذه اللقطة الرائعة، وانتهى الحفل وطلب محمّد من والديه أن يأخذاه وصديقه إلى شاطئ البحر، وعندما وصلوا انفرد محمّد بوائل على إحدى الصخور وبدآ يتأمّلان البحر والأمواج والأفق الأزرق الجميل، يقول محمّد:
– انظر يا وائل إلى هذا البحر، ألا تراه مستمتعاً بالحياة، وكلّ من يعيش فيه من أسماك وحيتان مستمتعين بالحياة أيضاً.
يضع يده على كتف وائل ويضيف:
– تنتظرنا تحدّيات كثيرة يا وائل، لم نقل كلّ شيء بعد، دعنا نستمتع بالتحدّيات، ونستمتع بالحياة.
يقول وائل:
– شكراً على المفاجأة يا محمّد، فقد فزت بالمسابقة وكسبت الرهان، أمّا أنا ففزت بصديق وفيّ وذكيّ، وأحمد الله أنّي لم أكمل لعبة الحوت الأزرق اللعينة.
جرى محمّد بين الرمال ورسم خطّاً وكتب “تحدّي الحياة”، ثمّ عاد عند وائل، عدّ إلى ثلاثة، وانطلقا متسابقين بحماس كبير نحو خطّ الوصول.