أحمد لحياني
القطار القادم من.. والمتوجه إلى.. سيغادر المحطة بعد قليل..
صعد القطار بشبه محفظة توحي بحياة الصعلكة، بخفي حنين ونعل متهالك وقد اقتنى تذكرة لأقرب محطة، لكنه عازم على تجاوزها والدخول في عوالم رحلة سرية، تتقاذفه فيها بكل تأكيد صفعات المراقبين وعفو البعض عنه، وحيلته في الاختباء أحيانا اخرى.
بسط قامته جوار مبسوط اخر، بين كراسي متقابلة فارغة، يتقلبا فيها بحثا عن سبات هنيء مريء ينسيهم تفاصيل الوجهة وهم الدنيا. إلى ان صادر المراقب عزمهما على النوم عندما طلب الثقب على التذكرة، ومحاولة يائسة لامرأة تتصرف بحمق لمجاورتهما. معلنة انقضاء فترة جس النبض، ليخوضا من أول نظرة في حديث السفر كما المذيعة في المحطة.
كأن تعارفهما قائم من ذي قبل أو هكذا يبدو، عندما كشف لجليسه دفعة واحدة، كل نوياه في ما هو عازم على فعله وما فعله قبل الان، وهو الذي غادر مدينة فاس دون سابق إعداد، بعد طردِه مؤخرا من المدرسة، بتهمة قصف مؤخرة أستاذته الفاتنة بورق مضغوط، أرسله من المقطع العلوي لقارورة و مطاط.. سلاح الطفولة ذاك.
قرار رحيله لم يكلفه سوى اخبار امه ونيل رضاها دون تردد منها..، في آخر لحظة، و دون علم والده المفلس..؛ مستطردا في وصف تفاصيل عهره مع الخمرة والرفقة الساذجة، وكيف انه فقد رأس ماله مخبزة كبيرة في مدينة فاس، كانت تدر عليهم الخير العميم، قبل ان يفلس دون رجعة.. و لولا ادخار امه لتركة زوجها في حالة هذيانه الليلية، في سبيل اقتناء شقة سكنهم اليوم؛ لأصبح مصيرهم العراء.
انتفض جليسه القادم من وجهة شرقية كما توضح لكنته وشارب الفحولة؛ عندما تيقن ان الفتى في رحلة مراهقة لشواطئ مدينة المحمدية، يقوده فيها حلمه بشراء دراجة نارية في اجل خمسة أشهر، أي قبل حلول عيد الأضحى من الان في نهاية الصيف. عله يبرز امام صديقاته في الموسم الدراسي القادم. إن هو قرر العودة إلى صفوف الدراسة.
أطراف الحديث اتقنت فن صناعة المستقبل، ورثاء مفلسين من مختلف معارفهم، ونجاح اخرين في بلد مجاور أهله غلب عليهم الكسل و الأنفة.. و تطرق الرجل الشرقي لتجاربه الخمرية خلف الحدود بأرخص العملات. بينما اقتنص الفتى بحذر وحيطة مشهدا خمريا أبطله وكان بطله في الان ذاته، عندما احضر والده إلى عمق البيت ذات ليلة، قارورتان نقيتان من النوع الجيد الغير متداول، حتى في مدينة مكناس المشهورة بالعنب و صناعته؛ وأخفاهما في مكان مهمش داخل البيت.. امام اعين متلصصة للفتى الابن الأصغر، الذي زج بهما في احشائه لكي لا يتكرر جرم أبيه، محصنا بذلك حرمة البيت الوحيد احتراما لعرق جبين والدته.
محطة الرباط المدينة في الصباح الباكر وقد بترت أحضانها.. امام قمع المراقبين له ورفسه و انزاله وتقديمه لأمن المحطة، بعد ان عجز عن استعطافهم شفويا وظاهريا كما فعل قبل ذلك؛ لما يكنونه من حقد للزبناء، لكونهم يمتهنون مهنة تغيب عنها الاكراميات وبقشيش الخدمة، وتحضر فيها مشادات فاشلة مع المعطلين المتوافدين على الرباط للاحتجاج على متن القطار دائما بشبه مجانية.
عبث به الغِلاظ في مخفر امن المحطة بشتى اساليب الضرب و الترهيب، والوعيد بفك العزلة عن شرفه في المرة القادمة. خرج من محنته مفكك الاوصال ممددا ممزقا ينزف في داخله.. من على كراسي استعادة الانفاس، تلفحه برودة الصباح ونظرات المسافرين.
انتظر طلعة الصباح في وقته الجديد ليخرج من المحطة متوجها إلى المدينة القديمة، لسد الرمق، بعد معركة الامعاء الخاوية منذ غروب الأمس. نصف دائرة من الخبز محشوة بالمربى و الزبدة، وكأس شاي محشو بورق النعناع على طاولة مقهى عتيق متخصص في وجبات الفطور، و اعداد أكلة (البيصارة).. رشفات الزبناء تنطق بلذتها.
كل لحظة في هذا المشهد العتيق، وكل خيط من خيوط الشمس، وكل مصباح عمومي ينطفئ على التوازي، يهز كيانه و ينظِره إلى مصيره في هذه الرباط وذاك فاس.. “فاقد الاحساس لا يحس”.. لم تعد هذه الجملة ذات أثر، عندما اشفق على مشرد مثله بسيجارة، كان قد طلبها من الرجل الشرقي في القطار عربون صداقة خاطفة. سمها هو في قرارات نفسه (زربت عليه) مستعرضا مسروقات أخرى بسيطة خلال الرحلة لجليسه ومجاوريه في ذات العربة.
أمضى اليوم كله في التيه وسط المدينة القديمة، واستكشاف اماكن حدثه عنها ضيوف اخرين من زهرة مره، كلها أوكار للكسب السريع و المتسارع حسب نباهة المكتسب. وفرص النشل والاختباء تزداد كلما ضاق الزقاق وكثرت روافده. احتكاكه بالسياح لم يكسبه سوى ابتسامات متناثرة وشعاع المصورة التي التقطت وجهه كتذكار فلكلوري لزائر من زائر.
لما بلغ اليوم اشده خرج من الزحمة ليتنفس الرباط المتسارع، في حالة جزر وظيفي عند عودة موظفي المدينة الإدارية إلى الضفة الأخرى من النهر الذي يخترق المدينة، امام مرسى (التاكسيات) والحافلات و(الترامواي) الرنان في كل نقطة مأهولة بالفوضى، فكرة البقاء تضايق بهجته، امام الفنادق والعمارات والمقاهي والسفارات.
وهو متوجه إلى محطة القطار لينفذ عملية انسلال جديدة. رصدت أعينه المتضايقة من قلة النوم طفلة في الرصيف المقابل للقصر الملكي، تطرح مناديل (كلنيكس)، معكوفة على كراستها تنجز تمارين الغد الدراسية رغم قسوة اليوم و الأمس والأفق.. اندلع احساسه بالقهر، قام واستقام ورجع إلى بائع كتب تركه على بعد امتار لم تمسسه نار المخزن، المقدم على اجهاض اعتصام حقوقي، اصاب المنطقة كلها عندما انتشرت الاصوات و لافتات، لا يظهر منها سوى رقم 20 المعلوم.. في كل زاوية هروب.
اشتم رائحة الثورة في حماس الصارخين. تساءل عن ثمن كتاب “قناعتي الحميمية” لطارق رمضان، نهره بنظرة انذارية صاحب هذا الركام من الكتب، التي لم تنفذ في هذا البلد. وصعقه بثمن قلب عزيمته انتقاما. لكنه كان قد سرق في غفلة قبلية كتابا تونسي التأليف يحكي عن ثورة الياسمين..
أهدى الكتاب لبائعة المناديل وانتزع منها وعد بأن لا تعرضه للبيع مهما بلغ ثمنه أو صعوبته.. ومضى يوزع ابتسامته على العابرين والعابسين.
تخلى عن فكرة الانسلال في القطار وقد خبر “الأتوستوب” و أغواره، على متن شاحنة على ايقاع نغمات أغنية شعبية “ديني الجديدة”.

أضف تعليقاً