لو أن مراثي الشعر العربي وقفت صفا فالأكيد أن مرثية –الشاعر الفيلسوف و الفيلسوف الشاعر – المعري غير مجد للفقيه حمزة ستكون أكثرها جلالا ,ووقارا, لأنها ليست مرثية وفقط, ترجمت شعورا بالحزن والأسف على فقد صديق أو قريب, وإنما هي فلسفة قائمة على أصولها , نظرت إلى أقدس الحالات الإنسانية, الحياة والموت, وان شئت هي فلسفة الوجود والعدم …. ما تميزت به هذه المرثية ليس النبرة الحزينة, وإن فتقت قلب الحزن بكلماتها, ولم تتميز بحرقة الفاقد, وان كانت حرقة المعري تكاد تكون ذاتها شعرا, وإنما تميزت بأنها تأمل تجاوز حدود المشاعر الإنسانية .
ابو العلاء ….حديث العقل
أبو العلاء المعري لم يكن شخصية, أنهكتها صروف الدهر, وأوجاع العاهات, بل جَسد حالة فريدة, ترجمت بكل صدق صورة من صور العقل عندما يوغل في كل شيء ..في الوجود …في العدم…في الإنسان …وحتى في الإله …ابو العلاء أزمة قاسية للعقل العربي, وآفة من أفات النفس العربية ..أشقاها الظاهر, كما أشقاها الباطن ..وهزها المعلوم كما هزها المجهول .
هو اصدق شخصية فلسفية وشعرية , فقد باح بالشك قبل إن يعلن اليقين ..ورسم التردد, قبل أن يفاخر بالاقتحام .لم يمنعه السمع المتربص من أن يخفي خاطرا مر بداخله… لقد استعار صورا للدنيا بكل ما فيها من أشيائه الخاصة التي شكلها من طينة ذاته ..فبصره لم يقع على تفصيل منها ..ولكنه عبر عنها بصراحة أزعجتها …لم يخف يوما من مواجهتها وهو الهزيل الضرير.
كنت كلما أعدت قراءة هذا الشاعر الفيلسوف ..أتوقف عند جراءته وتطرفه, الذي لا يعجب الكثير ولكنه صميم ما يميزه عن الشعراء والفلاسفة, إن التطرف ليس كله عيب ينفى عن النفس . ولكنه إبداع لا يتوفر للكثير وغاية يهلك في سبيلها الأفذاذ , فالتطرف في الطموح هو الذي انطق المتنبي, ثم قتله, وهو أيضا الذي انطق المعري ثم حبسه, إلا أن تطرف المعري كان في الفكر والتأمل ..كان في العطش النفسي والعقلي اللذان نغصا عليه عيشه ولكنهما في الوقت نفسه أقنعاه …إن النفس التي ليس لها منافذ على الدنيا لا بد أن تخلق دنياها الخاصة, وهكذا فعل الحبيس أنشأ من محابسه, فلسفة حار فيها كل من عرف هذا الفذ, فقد خلد انزوائه وجعل من نفسه مهوا للعقول والنفوس .. تجاوز هذا العبقري الأدب وتخطى الفلسفة, محطما أسوار اللغة التي كانت كأنها تنبت من لسانه, ليدخل عالما من التجريد , ويسبح في بحر المفاهيم و الأفكار ..من له القدرة على أن يرقى إلى هذه التجربة؟… وأن يغامر هذه المغامرة؟.. فيلغي إحساسه بالمادة, ليكون مجرد معني مثلما فعل المعري ..القليل من يفعلون ذلك ..فهو لم يكن تاجرا للكلمات, لم يكن من شذاذ الأدب, ولم يكن متطاولا في الفلسفة , وإنما ارتد إلى نفسه يجمع الأشتات ليصنع منها عالمه المتميز الذي لن يكون إلا للمعري…..
قانون العبثية
غير مجد في ملتي واعتقادي نوح باك ولا ترنم شـــاد
وشبيه صوت ت النعي إذا قيـس بصوت البشير في كل نـاد
أبكت تلكم الحمامة ام غــــتت على فرع غصنها الميــــــاد
ما اعنف تلك الأحاسيس التي إن نفذت إلى النفس ساوت بين الأشياء بداخلها وألغت الفروق بينها , فتتمثل المناظر أمام العين كأنها منظر واحد وما أشقى تلك العين التي لا تفتح إلا على صورة وحيدة فهي في كل مرة تقود النفس إلى الاندماج بالعدم ..وما الوجود سوى فروقا وتفاوتا بين الموجودات ..إنها أحاسيس توقظ العبثية من مرقدها لتقطع الطريق على الأمل بل وعلى الحياة ..إن هذه الموجات المتدافعة من فوة العبثية التي نحتها المعري رأسا لقصيدته الرائعة لم تكن خاطرا جاء مع طارئ أصابه أو شعورا تولد من ظرف ألم به وإنما الذي تعودناه من هذا الفذ هو تسور جدران المقيد المحيطة به لينفذ إلى فيافي الإطلاق .. لعله يجد تفسيرا يقنعه بالتسليم والرضي…تعودناه دائما مخترقا للمادة يطارد المجرد..فهو مطارد للأفكار ..طريد لها .
كان فيلسوف المعرة وهو يختطف هذه الفلسفة ويضمنها كلماته الكئيبة, يحاول أن يفهم الإنسان أن الابتسامة قد تساوي الدمعة.. فلا يغتر ..وليأخذ طريقا وسطا …محتفظا بشفاهه مضمومة لا تنفرج عن ابتسام ولاعن غيره ..وهي طريق عادة ما يسلكها أرباب التأمل ..ويتبع سبيلها عشاق الفكر والبحث
يد المـوت
صاح هذه قبورنا تملا الرحـــب فأين القبور من عهد عاد
خفف الوطء ما اظن أديم أل ارض الامن تلك الأجساد
وقبيح بنا وإن قدم العهــ د هوان الآباء الأجــــداد
المقاطع
دائما كعادتها تأخذ الفكرة بزمام شيخنا الضرير, فينقاد لها طائعا لترميه في فضاءات المعنى ومساحات التجريد , يستجلب منها صورا تفوق قدرة الحرف وتنوء بثقلها الكلمات …فهاهو يترصد الموت, هذا الذي يكاد أن يكون الغياب كينونة لوجوده…هذا الكائن المجهول,الذي نحس بأنفاسه من حولنا …المعري فقط من رأى أثر هذا الكائن بل هذا الصانع الماهر , الذي ينتزع الأرواح في لحن من ألحان الغياب..فهو غائب موجود يذهب بغائب موجود ..صانع يعرف كيف يحيل الطين, الذي راودته الحياة يوما إلى أديم بارد تدوس الأقدام , وتلعب به الأيادي في بلاهة طفولية.
إن الموت عند المعري قد يصنع التاريخ ..و التاريخ قد يكون تحت الأقدام ..لا تلتفت إليه الأعين المغرمة بالإمام ..ولا الأعين المشتاقة إلى نفسها تنام كل دهرها على أحلام يقتلها النور…
فلنخفف الوطء بل نرفع القدم ..ليبقى للتاريخ جلاله ..وليبقى لعبقه القداسة …ولنرتفع بعد ذاك في الهواء عسى أن نشتم- ونحن في عليائنا- نسائم الأرض فندرك أن بيننا وبينها نسبا يجب أن يصان
همهمات الوحشة
رب لحد قد صار لحدا مرارا …….ضاحك من تزاحم الأضداد
ودفين علي بقايا دفيـــن…….في طويل ألازمان والآبــــــــــاد
المقاطع
عند المعري كل شيء ناطق ….كل شيء له لسان يعرب به عن وجوده ..حتى تلك المناطق الموحشة والأمكنة المهجورة الا اضطرارا …القبور …التي ينطقها المعري فهو يسمع همسات الابتسام بينها , وهي تستغرب كيف تذوب بداخلها الأضداد من الناس وتتراكم ليكون بعضها قبورا لبعض ..وكأن السابق منها يكرم اللاحق بأن يكون له مهدا ….يبقى المعري يستنطق العجماوات ويطلب من المتأملين آن يفعلوا فعله ..ويخوضوا خوضه لينقلهم الى الفرقد يسألوه عن عدد الخلائق التي مرت به واستعملته دليلا لها …بل ليسألوه كم شهد نهارا وكم أنار ليلا …هل يستطع المتأملون أن يرقوا هذا المرقى ؟ ..ربما ..ولكن عبقرية المعري اخترقت الأرض وساحت في أدغال الوحشة والوحدة ثم ارتفعت إلى مابين النجوم والكواكب في طواف بين الأنوار …إنها قدرة التنسيق بين المتناقضات لتأدية غرض واحد ..وإبراز الفكرة الواحدة ..وربما تكون هذه مشكلة المعري يمازج بين المتناقضات فتظهر الصورة كأنها مضطربة حائرة ..ولكنها الأعين القاصرة فقط من ترى ظاهر القول وان صبرت قليلا ونفذت لرأت انسجاما رائعا .فالمعري اقدر الناس على توليد الصور وأقدرهم على اقتناص الشوارد التائهة بين زخم الحرف والمعنى والتي قد لا ينتبه لها ا لكثير ..المعري مبدع من طراز خاص يصطاد ظلال الأشياء ليشكلها أفكارا ..ينفذ إلى أعماق الموجودات ليلامس جواهرها.فالحقيقة مكمنها الجوهر.
غرام الكآبـة
تعب كلها الحياة فما اعـــجب الامن راغب في ازدياد
المقاطع
هذا البيت تنهيدة تفضح المغرم …فما أشقى المحب يلاقي الجفاء من الحبيب وما أتعس قلوبا متيمة تقابل بالصدود…المعري في هذا اللحن الهادئ والذي يتطاول إلى مراتب الحكمة …إنما هو محب وله بالحياة …عاشق لكل ما فيها حتى قساوتها المضنية …وجفائها المزمن ..يحاول القفز فوق مشاعره الحقيقة اتجاه الدنيا ويتخفى وراء اللفظ الصلد والمعنى الصلب ..يقابل حبيبته بالصد والتجهم وكأنه في مناجاته الدامعة إنما يمارس دلال العشاق وطقوس العتاب …ولكن للعاشق عيونا تخبر عن حاله …ولسانا يفضح دواخله فالحزن لا تتراكم سحبه
وتثقل بوجود الموت وإنما من انتهاء الحياة ..وهي صورة يرتفع بها شاعرنا الى أقاصي الفلسفة والحكمة حينما يرسم عظم اثر النهاية ليعلي من شان ما كان قبلها …فأي حب كان المعري يكنه للحياة ….وهاهي السلوى تغازله كأي حبيب ..بل ها هو الإيمان الأكيد – الذي يشك فيه البعض – فالموت عند المعري نفسه الذي نعتقده باب لحياة أخرى …نهاية أليمة بائسة تكون رأسا لبداية أخرى تتحدد عند الخالق عز وجل .
شكــوى
أبنات هديل اسعدن أو عدن ….قليل العزاء بالإسعاد
المقاطع
لمن يبث الحزين حاله ؟ إذا لم يكن لمن مسته النائبة قبله ..عسى إن يجد عنده العزاء ..ولمن ينفث الموجوع ألامه ؟ إذا لم يكن لمن سمع أنينه قبله …المعري يتوجه بهذه القتامة التي أصابته إلى مخلوقات تعودن حفظ العهد ..احتجزن الحزن بداخلهن..يتدفق منهن صوتا غائرا في الكآبة ..إن هن الحمائم اللواتي مازال هديلهن ترنيمة مختنقة حزنا على فرخهن الذي اختطفته الجوارح منذ زمان نوح ….لعمري إن هذه الأبيات تكاد تتشقق كمدا وحسرة …بل إن معاني الحزن تكاد تنسلخ من ألفاظ ضيقت عليها فرصة النوح والعويل ….ولكنها معاني المعري القادر ولا شك على ضبط إيقاعاتها وكبح جماح تمردها ثم تسريبها في أوانيها المختارة ..تفعل فعلها بالأذان الساذجة ..وبالقلوب البليدة …ناهيك عن من رزقوا ملكات الحس المتحفزة و المشاعر المتوترة ..المعري و الحمائم في نشيد يصعب على الأسماع العادية إن تركب موجه الغارق في السواد انه لعبة من اختصاص العقول القادرة على الرسم بلا ألوان ..و الكتابة بلا أوراق .
الكلمات والإنسان
قصد الدهر من أبي حمزة الاو…..ب مولى حجى وخدن اقتصاد
المقاطع
هل درى الفقيه حمزة الذي يرثيه المعري انه استودع التاريخ ؟ وصلب على جذوع الخلود ..بطرقات لسان المعري …هل يدري أن كلمات المعري توجته إمارة الأذان و القلوب والعقول …لا شك انه لا يدري !.. كلمات شيخ المعرة سلم يرتقي على درجاته الفقيه يعلو كلما نطق .
الفقيه يقتات من تفجير المعري لأحزانه المختزنة و ألامه المكبوتة ليكسب وجودا تخفى وراء شفاه الشاعر الفيلسوف حتى انفرجت بذكره …المعروف أن الله هو من يوجد الإنسان لا مراء في ذلك ولكن غير المعروف أن يوجد الإنسان الإنسان ..وبماذا ؟ بالكلمات …ولكنها كلمات العظماء ..الذين لا يجرهم التاريخ في سيره المزمن إنما الذين يصاحبونه مصاحبة الرفيق للرفيق …المعري من هؤلاء.
إلى ملكوت الحزن والجمال
مثل ما فاتت الصلاة سليما….ن فأنحى على رقاب الجياد
المقاطع
لا يزال الشاعر الضرير يرتفع بحزنه ..كلما ارتفع بجمال المقالة … كلما فتق عينا لألأمه الكاسحة سال الجمال منها يغمرنا …كلما امسك بيده النحيفة المضطربة بجمرة الفقد يعصرها توهج عندنا النور يلفنا …هو يتلظى بناره ..ونحن نشتم نسائم قلبه المحترق عطرا فواحا من عطور الأدب و الحكمة …لا يزال يصعد بالفقيه سماوات العلى لتختفي صورته بين الغمام …فالسماء يسكنها الأنبياء …النبي سليمان من ظهر الآن ..التاريخ من يعاود الظهور …الإيمان من يتجلى في هذه الأبيات …إنها ليست المقارنة كما قد تحدث به الفهوم القاصرة ..وإنما هي النفس الأصيلة عندما تضيق بحاضرها تنفر إلى التاريخ.. العقل عندما يطلب الحكمة يرتد إلى الماضي ..الحب عندما يتضخم يناجي الذكري هذا ما جعل المعري يستنجد بقصة النبي الكريم سليمان.. إيمانه من اختار له هذه اللفتة.. تصديقه من أشار عليه بهذه العبرة.
أم المــراثي
ومراث لو انهن دمـــــوع لمحون السطور في الانشاد
زحل اشرف الكواكب دارا من لقاء الردى على ميعاد
المقاطع
وهكذا يمضي المعري بالفقيه يجلله بكلماته ..ويعمده بشعره المثقل بالجزع ..ولكنه جزع الاتزان ..جزع وقور ..لا يذهب العقل بل بالعكس فالحكمة تتقاطر من سواده ..والعبرة تتولد من تدفقاته ..يمضي المعري يرزق الأدب وليدا جميلا ولكن في لفائف الكآبة ..و يهدي للمراثي أما رؤوما وقد كانت تبحث لها عن أم تركن إليها .
ثم يتوجه بثورته إلى السماء ..وما تحتويه من نجوم وكواكب ..يخاطبها خطاب المحزون الذي يبحث عن العزاء …يفتك رائحة الموت من حوله ليرميها على وجوه هذه المخلوقات الكبيرة ..يحاول أن يفجر العالم …يحاول أن يذكر إن الموت تاريخ سائر لا تعجزه الأحجام.. لن يتخفى من نهشته كائن …انه البحث عن الصبر …يمحو سطور النهاية …بإثبات النهاية …فكر غريب …إبداع متفرد ..لا يصل إليه إلا من تفرد بالفكرة واختلى بالمعنى مثل هذا الشاعر الذي امتطى الشعر مركبا إلى أفاق الحكمة.
بان امر الاله واختلف الناس فداع الاظلال وهــــادي
والذي حارت البرية فيـه حيوان مستحدث من جماد
واللبيب اللبيب من ليس يغت ربكون مصيره للفســـــاد
لن تكون نهاية القصيدة إلا كبدايتها فلسفة تستلقي في العمق ..وحكمة تتربع على راس الفكر ..وإيمان يطل بوجهه النوراني من وراء ستر الكلمات السوداء …الله يتجلى ..والإنسان في رحلة الاختيار بين السبل ..مستقيم واعوج …فمن اللبيب ..أليس هو من يوقن أن الموت قدر مثل الحياة ..وله جمال يضاهي جمال الحياة ……فأي عزاء وصل إليه المعري ….عزاء لكل الخلائق بما فيهم البشر …..سيبقي المعري في شدوه الحزين يعلن عن نفسه ..عن عقله …عن انه قمة لتزال مهجورة فيها من الكنوز مالا يعلمه إلا الله .