” الزموا الصمت ، لا يتحرك منكم أحد ، من لم ينجز التمارين سيناله عقاب أليم ، حشرات نتنة حقيرة أنتم … ”
ظلوا واجمين يرتعدون من شدة الخوف و البرد ، كانت أوامره الجافة سياطا نارية تجلدهم كل يوم .
سكون رهيب خيم على القسم ، لا يسمع إلا هزيم الرعد و ارتطام قطرات المطر على السقف المهترئ و النوافذ المهشمة .
ارتفع من الصفوف الخلفية صوت بريء : ” أستاذ .. أستاذ ” ..
لم يأبه المدرس للنداء ، بل جابه صاحبه بالجفاء ، لكنه اضطر تحت ضغط الإلحاح أن يلين.
تجرأ التلميذ فكسر الجليد : ” أرحنا من هذا العذاب أستاذنا ، أنت أدرى بحالنا و مآلنا ، ما بالك تتحالف مع الجوع و الخوف و الصقيع ضدنا ؛ ابتسم كفاك تجهما ، و كن بنا رحيما “…
وضع الأستاذ سبابته على شفتيه ، اكتسحته موجة خزي و انكسار ، فقد توازنه حتى كاد يسقط ، تراجع إلى الوراء ، هوى أرضا و دفن رأسه بين ركبتيه ، ظل على هذه الحال ما يقارب الساعة ، رفع رأسه ثم نهض بصعوبة بالغة ، مسح بعينيه المحمرتين الوجوه البريئة البئيسة ، و اتجه ببطء صوب التلميذ الشجاع . انكمش التلاميذ في أماكنهم ، و توجسوا خيفة من سوء المغبة .
وجها لوجه ، احتضن المدرس تلميذه بحرارة ، و من فرط اندهاشهم لم يتمالك التلاميذ أنفسهم فصفقوا و رقصوا طربا .
كفت ندف الثلج عن الانهمار ، و انقشعت الغيوم عن شمس دافئة ، أغرت الطيور بالتغريد و التحليق .
- ترهيب
- التعليقات