انفصل أبواه صغيرًا، ثم مات أبوه، تزوجت أمه، لم يُطق العيش مع زوجها، احتضنه الشارع، احترف التسوّل، تنقل بين الأرصفة والكباري والحدائق العامة، طاردته الشرطة من مكان إلى آخر، أوجعته كلمات الناس ونظراتهم، اكتشف مبنى مهجورًا يحرسه حارس مسن، صار يغافله ويصعد إلى السطح للمبيت، في البداية كانت تهاجمه الكوابيس فيصحو فزعًا، ثم اعتاد الرقاد في هدوء بلا كوابيس ولا أحلام، ثم بدأت الأحلام الوردية تتسلل إلى عقله.
هذه الليلة كان الحلم رائعًا حتى إنه تمنى ألا يصحو منه، حقّق فيه كل ما عجز عن تحقيقه في الحياة، أنهى تعليمه الجامعي بتفوق، ثم أتبعه بالماجستير، والدكتوراه، حاز منصبًا رفيعًا في الجامعة وفي أمانة الحزب الحاكم، ومقعدًا في مجلس النواب، ترشح للوزارة، تزّوج زواجًا أسطوريًّا من غيداء تنتمي إلى عائلة مرموقة، عاش معها مثل شهريار في ألف ليلة وليلة.
ذات مساء جاءه اتصال هاتفي يستدعيه إلى مقابلة شخصية سيادية هامة لتكليفه برئاسة الوزارة، نهض مسرعًا فاغتسل ولبس أفضل ثيابه، ورشّ عطرًا غاليًا، وفتح الباب؛ ليجد سيارة حكومية فخمة في انتظاره.
علت أصواتُ الجماهير تحييه، والكاميرات تتسابق بين يديه، تبًّا لهذا الإعلام الذي لا يخفى عليه دبيبُ النمل، نفخ صدره، ورفع رأسه مزهوًّا، ومشى في ثقة وأناة، لم يعد بينه وبين المجد إلا خطوات معدودة…
كلما تحرك للأمام زاد هدير الجماهير وصخبهم.
حين استيقظ فزعًا على الضجيج، وجد نفسه يتقلب على حافة سطح المبنى غير المسوّر، وقد تدلت إحدى قدميه في الهواء، عاد للخلف وفرك عينيه، واستوى واقفًا، ليرى حشدًا من خليط عجيب من الأهالي، ورجال الشرطة، والمسعفين، والإعلاميين. ألقي القبض عليه مدانًا بمحاولة انتحار فاشلة.

أضف تعليقاً