حين خطا داخل المقهى لم يعره أحدهم انتباهًا.. لحظات ثم دوى صوته الحادّ كصفارة إنذار في يوم غارة حربية:
– رُدَّها عليّ إن استطعت!
قالها بعد أن لطمه على وجهه لطمة مدوية، ثم خطف الكأس التي أمامه فأفرغها في جوفه، وازدردها دفعة واحدة!
بحركة لا إرادية تحسّس المجني عليه اللطمة المباغتة على وجهه الأسمر االممتلئ، وقد انطبعت عليه آثار أربع أصابع نحيلة كفرامل سيارة على الطريق المسفلت. ثم تأمل المعتدي الغريب بنظرة ذاهلة، وانفجر بعدها باكيًا.
لم يحرِّك أيٌّ من الجالسين في المقهى ساكنًا، غير أنَّ المنظر أثار حفيظة أحدهم فتململ مُغضبًا لكنه سرعان ما اعتدل في كرسيه واستكان، بعد أن رمقه الشيطان الغريب بنظرة نارية، حاسرًا قميصه المفتوح عن قبضة مسدس صغير، مثبت حول وسطه في حزامه الجلدي الأنيق.
كان الرجل الخمسيني المُعتدَى عليه أطول الرجلين قامة وأضخمهما جثة، بدا المشهد العجيب كصراع بين كلب صيد سلوقي مشاغب وأسد هرم، قطع الرجل نحيبه فجأة ثم سأل في حيرة بصوت متهدج من فرط التأثر:
– هل أعرفك يا هذا؟
قهقه الجاني عاليًا في غرور وأجاب:
– لا، ولكنك ستعرفني إن كُتبت لك الحياة!
عاد الأول يتساءل وقد ازدادت حيرته:
– إذن ما حملك على هذا؟
هرش الغريب رأسه وهدر في غضب:
– لقد سُجنت ظلمًا من عشر سنوات، إثر مشاجرة قُتل فيها أحدهم، وأمضيت عقوبتي الطويلة وخرجت بالأمس فقط، لم أعد أطيق الحياة مع البشر خارج أسوار السجن، لكني أريد العودة إليه مجددًا بجريمة حقيقية أستحق عليها العقوبة!
تنهد المجني عليه متحسرًا وهزَّ رأسه بأسى وهو يقول:
– لقد أخطأت الهدف يا صيقي المنحوس، وليس أمامك في الحياة سوى لحظات معدودة.
ثم مسح عينيه المبللتين بكم قميصه المتسخ، وقام يجرجر رجليه متحسرًا، بينما الآخر يحملق فيه مشلولًا، ويأتيه صوته من مكان سحيق وهو يقول بحنق:
– لقد ضرب زلزال ضاحيتنا وأصبح منزلي أثرًا بعد عين، وضاعت وظيفتي بعد انهيار المطعم الذي كنت أعمل فيه نادلًا، وفُسخت خطوبتي بعد أن صرت مفلسًا مشردًا، فاشتريت سُمًّا بآخر ما أملك، ووضعته في هذا الكأس الذي انقضضت أنت عليه كغراب أرعن، فحرمتني متعة الانتحار!