لمحته قادما من بعيد، أشاحت بوجهها واسترسلت في عملها المعتاد، استقبلته الأم بكل رحابة صدر، لكنه كان جافا ومتكبرا، اكتفى يهز رأسه لرد التحية، نظرت إليه مستنفرة لم يرق لها رده المختصر، نكزة صغيرة من أمها عدلت عما كانت تنوي فعله، أخذت تصفُّ الكعك بمحتوى كرتوني متواضع، كان يراقب حركاتها بذهول غامض، استمرت بتجاهله، حتى انتهت، سلمته الصندوق ومضى بدون أن ينطق ببنت شفة.
“لماذا كل هذا ، فوقي متكبر ،” رددت البنت بعد أن ابتعد مسافة آمنة ، ” لا دخل لنا يا ابنتي ، نحن علينا أن ننفذ الطلبية، ونعمل على إرضاء أذواق الزبائن، ما لنا وماله، فليمض في سبيله ونحن لنا أجرتنا والله المستعان.”
أكملت عملها تنتحب من داخلها، كان من المفروض أن تكمل دراستها، وتأخذ أعلى الشهادات، وتحقق حلمها لتصبح محامية، فهي تحلم أن ترتدي ذلك الروب، وتقف أمام القاضي، وتدافع عن حقوق الأبرياء، وتحقق العدل، قدر الظلم الذي حاق بها.
لم تأخذ حقها كما ينبغي لها، حُرِمتْ من التعليم، وكان للأولاد النصيب الأكبر ، وعلى ماذا؟ لم نجدهم في أحلك أوقاتنا، ثلاثة تفرقوا في أنحاء الأرض، أكبرهم، هاجر إلى كندا ولم يُعرَف له مصير هاربا من التجنيد، والثاني، ينتظر فرصة عمل بعد أن أخذ شهادة، تنفسنا الصعداء ليتخرج وكان قد استنفذ كل ما لدينا من قوة ومال، ولم نجني ثمار جهدنا بعد، أما الأخير، فقد تفنن في خذلان امي بعد وفاة أبي، ترك المدرسة، ولم يتقدم لامتحان الثانوية العامة، وأصبح لامباليا، يتحين الفرص، ليأخذ من أمي ما استطاع بالحيلة، والكلمة المعسولة، ليشتري السجائر، ويختفي بعدها عند أحد أصحابه، ليظهر ثانية ويعاود الكرّه.
كل هذا كان قد عصف في خيالها من نظرة، استباحت عزة نفسها وأقسمت على أن تحافظ على حياتها بكرامة، مع أمها.
يوم بعد يوم كان يأتي ذلك الشاب، كمال، يأخذ الطلبية، مُخفِيا في قسمات وجهه البائسة، حكايةً غامضةً.
اعتادت نظراته المذهولة، وهي ترتب الكعك في الصندوق.
وكأنه لا يريد أن يضيع ذلك الجزء المهم من عملية التسليم. يأخذ الصندوق بلا اهتمام بها، ويمضي.
ذات صباح شعرت بالتعب وقد انتابتها الحمى، أعفتها أمها من ترتيب الحلوى في ذلك اليوم. جاء كمال يريد أن يأخذ الطلبية، نظر مستغربا بعينيه، فتش المكان بحرص، لم يجدها، كان وكأنه مترددا في أخذ البضاعة، سألته الأم: هل هناك خطب ما؟
أجابها بتجاهل:” لا، وماذا عساه أن يكون ، انا انتظر الطلبية، وانت وحدك اليوم ، لا أريد أن أتأخر،” نظر إليها نظرة مستفزة، وكأنه يحاسبها، أجابت: “نعم أعتذر عن التأخير إبنتي تمر بوعكة صحية، وأنا وحدي اليوم، أرجو أن تتحلى بالصبر ريثما أنتهي من تعبئة الصندوق،” نظر إليها باستغراب، وكأنه يريد أن يقول شيئا ويمتنع، لم تُعِره اهتمام، أخذ الصندوق ومضى.
غابت سناء ثلاثة أيام عن التواجد صباحاً وقت مجيئه، كانت تعوض غيابها في المجيء ليلا، ومساعدة أمها في صنع الكعك.
في اليوم الرابع، كانت تشعر بتحسن كبير، قررت مرافقة أمها صباحا ومساعدتها على تعبئة الصناديق.
من بعيد لمحته، تغير لونها وامتعضت من عجرفته، دخل مبتهجا على غير العادة، نظر إليها ونطق لأول مرة ، “حمد الله على سلامتك.” التفتت بسرعة نحوه، وكأنها تريد أن تتحقق من مصدر الصوت، كانت عيناه مسلطتان كالمصباح في وجهها، جريئتان في قول ما لم يفصح عنه، تجاهلت ذلك بخجل وردت “الله يسلمك ”
وتابعت عملها، وتابع مراقبة يديها بذهول وهي ترتب الكعك في الصندوق، خرج عن صمته مرة أخرى قائلا، يديك مثل يديها، وطريقة ترتيبك للحلوى مثلها تماما، وكأني ارى نسخة منها فيك رفعت رأسها بذهول ولم تعقپ، الا أنها تابعت ترتيب الحلوى متمتة، أنا لا أشبه إلا نفسي، ليس لائقا أن تشبهني بحبيباتك السابقات. أعطته الصندوق وانسلت تحتبس دمعتها، ومضى إلى طريقه.
عاد في الصباح، كان أبكر من المعتاد، نظرت إليها الأم، وكأنها تنتظر ردة فعل متوقعة، استقبلته بكل هدوء، قائلة:
“لحظات و أرتب لك الكعك .”
أخرج من معطفه صورة لامرأه، و وضعها أمامها على الطاولة، قائلا، هذة هي المرأة التي شبهتك بها، نظرت الى الصورة مذهولة، آه يا الهي نعم هناك شبه ، يخلق من الشبه أربعين. وأبعدتها باتجاهه، إلا أنه أعادها قائلا، هذه أمي رحمة الله عليها، تشبهينها حتى في طريقة ترتيبك للكعك، حركة يديك، رقة ابتسامتك، واللطف المتجذر فيها. نظرت مذهولة بندم وكأنها أخطأت في فهمه، وعادت تسحب الصورة، وتتفحصها من جديد ببطئ، وتأني، وكأنها تنظر إلى لوحة لرسام مشهور، وهي تقول:
“يا إلهي، تسريحة الشعر والإبتسامة، والحذاء كلها قديمه فعلا”.
بابتسامة خجولة، نظرت إليه مرة أخرى وقالت: “إعذرني، كنت فظة معك، تسرعت، ولم أعلم أن التي تشبهني هي أمك رحمها الله. كم أسعدني ذلك لأنها جميلة. والآن تفضل الصندوق، لقد عبأته البارحه. ” وهمّت بالدخول والابتعاد عنه، منشغلة بترتيب صناديق أخرى.
لأول مرة نادى اسمها وكأنه يهمس، التفتت باستغراب وتقدمت خطوتين منه قائلة :”تفضل..”
نظر إليها نظرة شاردة تحمل ألف كلمة وقال: “والآن، سأعيد السؤال الذي كنت أردده في قلبي، وأتردد في مصارحتك به أنا سيء جدا في المقدمات: هل تتزوجينني؟.”
- تقمص
- التعليقات

