عيناها البلوريتان .. و أنفها المستقيم .. و فمها الصغير المكور .. و شعرها الليلكي الممتد على ظهرها ..حاولت ..حاولت أن أنساها، لكنني و في آخر لحظة ، و عندما أحس بأنني انتصرت أصرخ : ــ حورية . و في غمرة الانشداه ، تجرني الذكرى إلى المتاهات المترسبة .. أذكر يوم فاجأتها في غرفتها ، رأيت جسدها المتماوج يهتز و شعرها مبعثرا هنا و هناك ، و أنفاسها العالية المضطربة .. كانت ترتدي فستانا أزرق يغطي كامل جسدها ، يشد وسطها حزام جلدي .. تساءلت في قرارة نفسي « لماذا تقف أمام المرآة و هي لا تنظر إليها !؟! » اختطفت أذناي النغم .. نعم .. نعم .. إنني أسمعه يا له من تجاوب غريب بين هذا اللحن ، و بين هذه التموّجات الرائعة .. أحسست بجسدي يتماوج هو الآخر .. يهتز بعنف .. و صرخت : ــ اصدح أيها اللحن .. لينطفئ الصمت .. تحرك أيها الجسد لينكسر السكون .. ارقصي .. ارقصي .. يا .. حـ .. و .. ر .. ية . انطفأ اللحن .. انكسرت الحركة بعد أن توقفت عن الرقص ، انتشلت أذناي آخر الحروف و امتدت يداي لتخرس فمي .. لكن .. حبل الكلمات كان قد انفلت مني .. التفتت إلي .. حدقت فيّ ، و في عينيها ألف سؤال كان وجهها منهوكا متعبا ، و العرق غلالات تنحدر من كل الاتجاهات و هي تلهث و بشدة .. قاومت .. قاومت ، لكنني و في انكسار الكلمات على الشفاه ، انسحبت من الغرفة بخطوات مستعجلة كانت أفكاري مشوشة ، تجبر خطواتي على التصادم ، في انكسار النغم على الرقصة الثكلى و في سكون ذلك المساء الأجوف ، عندما أخذ وهج السماء في الشحوب ، و سرت غيوم كأشباح تضلل وجه السماء .. كنت ما أزال مستلقيا على الأرض ، يتوسد رأسي راحتي ، و عيناي المنهكتان تحومان في الفراغ الممتد على مساحة هذا السكون .. و ارتسمت و في جلاء صورتها ..جسدها المتماوج .. شعرها المبعثر .. يداها المتحركتان في كل الاتجاهات .. و تخيلت المرآة آلاف الأجساد تتماوج معها بل آلاف الأيدي تصفق لها .. حورية .. الصمت المحمل بألف انفجار .. كنت صغيرا عندما بدأت صورتها تنقش في ذاكرتي .. كنت صغيرا عندما بدأ صوتها يهدهدني بدون لسان .. أحببتها كحقيقة تبناها الخيال ، أو لم تكن هنا أو لم تكن تختصني بأحضانها ، فأنام ملء جفوني مشدودا إليها .. أو لم تكن تقبلني و ترفع جسدي الصغير ، لتقذف به في الهواء ، و تستقبله ثانية بين أحضانها .. تتداعى الذكريات لترسم آلاف الصور المشبعة بروح الأمل الممتصة لهياكل الانكسار .. و ذات ليلة ، استيقظت مفزوعا على نشيجها المتعالي ، دفنت رأسي بين أحضانها ، و رحت أبكي دون أن أدري لماذا ؟؟ .. ربما لأنني كنت أحس بأن هناك ألما ما يعتصرها ..تنبهت لبكائي .. خضتني بعنف . . ضغطت على فمي بكلتا يديها ، و بعنف ، لكنني لم أنتبه إلا على صفعة قوية على خدي .. حينها توقف كل شيء .. و حينها فهمت كل شيء أيضا … جلست القرفصاء على الفراش أطلقت العنان لنظراتي الصارمة تجوب وجهها المشوش بالتعابير ، كان وجهها منكمش الأسارير و دموع كبيرة تتدحرج على وجنتيها الذابلتين ، و في هول السكون تتقاذف الصور في ذاكرتي ، لتولد لحظة التحدي ..سألتها و عيناي لا تزالان تكنسان مساحة وجهها عن سر بكائها ، فأجابت و الغصات تخنقها : – ناي المجنون .. و طبل الدرويش .. و رقصة الأعمى . تشابكت نظراتنا .. تأوهت شفاهنا .. و غاب كل واحد منا في حزمة من الأفكار . قلت لها : ـ- كلماتك لا يعرف لها مدى أو منتهى ابتسمت بمرارة ، و في ارتعاشة الشفاه ، أخبرتني بالحقيقة التي أمضت جراح قلبها ، لم أفهم .. قالت لي بأن الغريب الذي قدم إلى القرية منذ أيام ، جاء يبحث عن رمز .. و من جديد تشابكت نظراتنا .. تأوهت شفاهنا و غاب كل واحد في حزمة من الأفكار .. أشاحت بوجهها عني و أخبرتني بالحقيقة .. و فهمتها .. الغريب طرق بابنا اليوم و قال لها : – أنت لي يا حورية ، و لا أحد يعصمك مني . و عندما جرى ذكر اسمي على لسانها .. قهقه طويلا .. طويلا و انصرف يتوحد الصمت ليزرع رغبة وسط ضجيج الأفكار . حورية .. حورية .. وحدك تعرفين بأن صمتي ثورة ضد الكلمات المصلوبة على عمود الحقيقة .. و وحدك تعرفين بأنني رعشة بلا خيال و حقيقة بلا انتماء ، و أن وجهي صورة بلا لون على الجدار .. تترعرع الرغبة بين أحضان الصمت، استبد بيّ شعور جارح ..قررت.. واستسلمت لبكاء حار . كانت السحب تعوم على بركة السماء الراكدة ، في ذلك الفجر الباهت عندما ظهر من هناك يجر خطواته المترنمة .. كنت قد تسلقت كوخنا ، و تربعت على الهشيم الذي يغطي السقف و قد وضعت أمامي كومة من الحجارة … قامته القصيرة الممتلئة .. عيناه السوداوان المستديرتان .. هاهو الآن يتغذى بأطياف الرؤى و أتغذى بهذه الضربات المتسارعة في قلبي و التي تلهمني الرغبة الطاغية .. عشرات الرؤوس تطل من شقوق أبواب تلك الأكواخ المتناثرة في غير نظام .. قررت .. و صرخت : – ناي المجنون .. طبل الدرويش .. و رقصة الأعمى . و قبل أن تمتد عصاه لتطرق بابنا ، كنت أفرغ كومة الحجارة على رأسه الصغير .. تململ .. امتدت يداه لتحمي رأسه .. قامت الصرخات العاوية بين شفتيه و انطلق متعثرا ، مخلفا خطا أحمرَ من الدماء انفلتت الأجساد من الأبواب ، و التفت حول كوخنا .. و لولات النساء تعلو.. عشرات الأيدي امتدت نحوي لتساعدني على النزول و صعب يا حورية أن أنزل من هنا ، لأنني لم أفكر في جمع رغبتين .. لم أفكر إلا في الصعود ، لقهر القادم من هناك .. كنت واقفا ، وجهي مخضل بالدموع أنتظرتلاشي سارية الغيوم وراء خيوط الشمس . ــ اصدح أيها اللحن ، لينطفئ الصمت .. تحرك أيها الجسد لينكسر السكون .. ارقصي .. ارقصي يا حورية . أنفاسك المتشنجة .. نظراتك الساخرة .. لقد دفعت في الرغبة بأن أكون ، و دفعتك بلحظة مصلوبة على ذاكرتي ، إلى نبذ رغبتك .. تموجات جسدها .. شعرها المبعثر .. يداها المتحركتان في كل الاتجاهات . إنني أستسلم .. أستسلم و لا أقاوم . تشابكت نظراتنا .. تأوهت شفاهنا .. و غاب كل واحد منا في حزمة الأفكار أمسكتها من يدها جذبتها إلي قليلا .. نهضت .. إنها لا تقاوم .. و بخطوات متثاقلة قدتها إلى غرفتها ، و أغلقت الباب امتدت يداي إلى كتفيها ـ لتسوي وضعها أمام المرآة . و انسحبت إلى زاوية من الغرفة ينسلخ الزمن في توالي اللحظات .. – أصدح أيها اللحن . على الضوء الأصفر الشحيح المتدفق من النافدة المربعة . المعلقة على الجدار .. رأيت جسدها يبدأ في زرع تموجاته .. نعم .. نعم .. إِنني أسمعه .. إنه نفس اللحن .. أحسست بتموجات جسدي ، لا سبيل إلى المقاومة يشتد وقع النغم .. يرتج الجسد .. تتعثر الأفكار .. ينعدم الزمن ، أحس برغبة في الصراخ .. كلا .. كلا .. سينطفئ اللحن .. سينتشر السكون .. لا .. لا أريد أن أكون ضحية .. لتتوحد رقصتنا يا حورية لتضيق هذه الغرفة بأفكارنا .. ارقصي .. ليصدح اللحن .. لينطفئ الصمت .. لينكسر السكون.
- تموّجات في زمن الانكسار
- التعليقات