أهـي لـحظة فارقة،أم تـرى هـي مـواعيد مقـيدة له اختـبأت بــها مفــاجآت؟ وهو الـذي نـهض لـيس خــملا ،عـسليّ الـخاطر، يـطـوحه انـزلاق البــلل بطــيءالسـيـلان خــلف زجـاج النـافـذة. هــو ذا كطــفل عـابث، تـخاتـل سبـابـته القـطرات نـزولا عبـر الـزجـاج.
الــمطر أرجـوحـته الطيـبة، غيـر أنـه شـحـيح الفـضل ،لا ينـزل ركــب عيـده بـأرجـاء صـحـرائه حـتــىّ يضـمخها بفـوح نـخيل .
ذاك الشـعور زرع،ته – كنـطـفة خـلق- عـودته مـن رحـلة قضـّـاها بـمدينة تلـيـّة الـمناخ؛هـي مـن استـودعته عطـرا زكـيّ الأنـفاس، حـيث التـقى كـوكبة الأدبـاء عـند تـلك الأيام الـمبهجة .
على الطريق ،استـبدل طـعم الشـيح بـأزاهيـر نبـتت جـارة لأرصـفة وقـد ألـهمـته عـبـر تـلك الـرحلة حلـو مـزاج.الرحلات حبيباته
أشــهى مــا وطـّد علـيها نفـسه. يـُعـدِّهـا صفـحات كُـتبِ لـم تـُكتب بعد.يــكاد يــجزم فـي قـرارته أنـها معـرفـة كـنـز الكــنوز!
كنـوزي..رحــلاتـي.. تــحت هـذا العــنوان،سيـــال قلمه، لا يزال يــشرح صـدر صاحـبه هـذا ليـطـعم الــورق بـدفق لا يـوصف..تلك مكـاشفـاته واكتـشــافـاته لألــوان وطبـائع أنـاس ورفاق قــلم.
لـكل رجــل صـاحـبة،وحقيـبتـُه صـاحبـتـُه وأميـنة سـّـر حكـاياه الــحمـيمة.تنــام بـها أحاديث على درجـة من الازدحام ؛كـأحاديث تلك الغـرفة التي نـزل بفـنـدقها العـصري.حقـيـبة يتـبعثر منــها ألـطف أريـج يضـمـّخ أغـــراضه. تـــرك النــافذة تــغسل زجاجها حبـات الـمطرا،ثــم راح يـجـرُّ ســوستَــةَ الـحقيبة .بــعد حيــن شــرع فـي إخـراج أغــراضـه وهـو ينـتبه لتواجد سروال جيـنز ضــمن مـلابـسه..ابتـسـم عـن بيــاض فـي حيـن راح يعلــقه علـى الــمشـجب ، بـحـزامه الـجـــلدي العـريض.آنــئذ استــرسل عبـر هــاتـفه الـخلـوي،يطــلب أصحـابـا مــمن شـاركـوه نفس الغـرفة مُــحتمِلا أن السـروال يكـون لأحـد الأصحـاب الذين سبـقوه إلى العودة.
حيـن تـمعـن فـي الســروال معـلـقا على الـمشـجب،ســاح مـن حيـث لـم يشـــعر…الضحـكــات تأتيه تبـاعـا مـن داخــل الفـصل.
درس القــراءة على غيــر العـادة فـرّخ حـالـة مـن الـــمرح هذا الصبــاح!هكــذاانســاق طفـلا يقـــرأ : ” ســـروال علي “. لــم يتــماسك بيـن فقـرات القـراءة كمـثل أتــرابه عـن تبـــسّمه،لأن والد(علــي) قـصّ الســروال الـذي لـم يكن على مقــاص ابـــنه ، دون وعــي مـن حـركة زوجهـا،راحـت أم (علــي) تقــصُّ بـــدورهـا السـروال، ثــم مـا لبـثت أخــته أن أتـت على نفس المنوال. هكذا، لــم يسـتـطع كتمـان ضحـكـاتـه وهــو يقـرأ كيـف أن (علي) لـبس فـي الصبـاح ســروالا عـلى شكـل تبــان.ســـكوت!ودوى صـــوت الـمعـلم لينـتـبه الــجميع.كــاد يتـماهى كلـية مـع مــاضي الـزمن، لو لـم تنـتابه حـالته الجوهرية.وقتـئذ ،فتــح شــرفة على الـحديــث الشـهي الــمهجور…تــحت (كنـوزه ورحـــلاته) اشتـــبك قلـمه مـع بيـاض كنــاشـه: يـجمـّلك هنـدامك،فيــلمّع صـورتك.قــصرك أو طولــك فـي رهـان حـرمة ذوق واتسـاق لبـاس . أنــا لا أزال أحـفظ للـزمن الـمنـثور فـي الـذاكــرة ،صــورة العســاكر بزيـهم على مقـاس مسـطرة الطـول والعـرض. تــرتيب فــي غـاية الأنـاقة.سراويلهم، بـأحــزمة تسـكـنها الـجاهـزية والتـأهـب !..غيــر أن فـئة فـي مقـتـبل العمر هذه الأيام تنتشر بالـمقاهي،على حـافـة أرصـفة،ينـقـبض لنـشـازهـا مـــزاجــي! سراويلهم مشـوبة بالانـزلاق ؛تـفـتـأمن حـولـها تتـفكك الفحولة ، تتــحلل الفـتوة يتبـرأأثنـاءهـا العنـفوان!يستـغيث صـوت عـند درء بــأس، فيـغـاث بـيد تـمسك بـحـزام لإنـقـاذ غـــــــريق… قالـها جـدي وانـخرط يـحزم السنابـل فـي الشـباك مع عصـبة رجال، عند مـوسم حصــاد.عـهـدي بــهؤلاء إبان طفـولـتـي ، تـُحوط حـــوض الرجـال أحـزمة غـليظة تـشد الـرجل منهم كي لا يربكه الإعيــاء ولا يتـصدع جسـده: – أحكـمواربـط الـحبل من حـول حــزامي، وسـأتدحرج حتـى قـاع البئر لأقـوم باسـتـخـراج الـخـروف. وراح عمـّي (مصباح) ينـزلق على الحافة، والناس على هيـئة رجـل واحد، عينهم عليه حـية وهو ينسـحب إلـى أسفل فـي حيـطة وحـذر.ســاعة صعـد بالـخروف من العـمق،شـاهـدتـهم يربتون علــيه عـرفانا لـه علـى صنـيــعه.
مـلأ صفحتـــْي كنــاشه بالــحديث الــمهجور…الــمطر لا يــزال كتـكـوتــا ينـقر زجــاج النـافـذة…حيــن رفع عينيه ، بدا له ســروال الجيــنز بــحزامه الجــلدي،هكــذا معلقـا على الـمــشجب يتــرقـب قـدوم رجــــل.

أضف تعليقاً