في الفصل تجلس (مروى) ترسم في كراستها شمسا ًوأشجاراً وبحراً ؛ بمرفقه الصغير يلكزها حمزة، ترمقه غاضبةً فيهمس:
ـ سيدي
تتلفت، يقترب الأستاذ بخطىً وئيدة
ـ مروى
تغلق كراستها مضطربةً وتقوم:
ـ من خلق الإنسان؟
تصمت متظاهرةً بالتفكير ، يجذبها حمزة من تنورتها القصيرة، يضع يده قريباً من شفتيه، يهمس:
– قولي له الله
تردد مروى:
– الله
– ومن خلق الكون؟
حائرةً مروى تنظر للمعلم
– الله
يهمس حمزة
تتنهد مروى
– الله
– أحسنت
يقول الأستاذ، يشير بعصاه فتجلس، تهمس باسمةً:
انقذتني يا حمزة من عصا المعلم
يضحك حمزة، تلمع أسنانه البيضاء كغيمةٍ يسكنها شعاع شمس:
– بل أنقذك الله
تكتم ضحكتها، تمد يدها بقطعة حلوى من تحت الطاولة، يأخذها حمزة ممتناً، آخر اليوم يخرجان، كعادتهما يقطعان المسافة إلى بيتيهما سوياً، مد حمزة يده في جيبه، أخرجها باسطاً راحته أمام وجهها، حباتٌ صغير صفراء، وحمراء، وسوداء
– ما هذا يا حمزة؟
منبهرةً تهتف مروى
– توت
– وما التوت؟
يقرب حمزة راحته من أنف مروى، تبهجه تلك اللمعة في عينيها
– وشهيٌ جداً
يقول بينما يضع في فمها حبة، تمضغها على مهل، تغلق عينيها تهز رأسها كمن يطرب لسماع نغمٍ أصيل
– ممممم لذيذ
تتقافز السعادة في وجه حمزة يهتف بحماس:
– هي لك، خذيها كلها
– وأنت
بحبورٍ يجيب:
– سأذهب لإحضار المزيد
– من أين؟
– من الغابة
– الغابة؟!
مندهشةً تهمس مروى، في نبرة صوتها خوفٌ مشوبٌ بالفضول
– من شجرة توتٍ في مكانٍ سري، سأذهب الآن
يستدير مبتعداً، يتوقف فجأة، يلتفت لمروى:
– تأتين معي
– للغابة؟!
مبتسماً:
– للغابة
تتردد مروى، تتلعثم:
– نعم .. لا .. نع .. لا لا أمي … بابا، تعرف
– لابأس
يقول حمزة بينما يركل حصاةً صغيرة:
– لا أحد يسأل عن حمزة
متصنعاً الضحك
ـ حمزة حر هههه غداً أحضر لك التوت، الكثير من التوت، سنأكل حتى ننتفخ هههه
يجري نحو الغابة، يخاطب نفسه :
ـ حمزة حر
تسيل دمعة
ـ وحزين
في اليوم الثاني، لم يحضر حمزة
مر يومٌ آخر وحمزة لم يجيء
في اليوم الثالث – وكان المعلم حزيناً – سألت مروى:
– حمزة لم يحضر يا سيدي
– لن يحضر حمزة بعد الآن
بصوتٍ خفيضٍ أجاب المعلم
وطعم الدمع المالح في شفتيها تسأل:
– لماذا؟
– حمزة مات
– ما معنى مات؟
– يعني ذهب إلى الله
لكن حمزة قال أنه ذاهبٌ ليحضر التوت، حمزة لا يكذب، طعم التوت حلو، مذاقه عذب، أفضل من طعم الدمع المالح، مساءً سألت أمها:
– لماذا يذهب الناس إلى الله؟
– كلنا سنذهب إلى الله
تقول الأم باسمة
– هل يعود من يذهب إلى هناك؟
– لا يا ابنتي
– لماذا؟
– لأنه يحبنا، حين نذهب إليه يستبقينا، ولا يتركنا
– أمي، أين يسكن الله
– في السماء
تجيب الأم بينما تمسح على شعرها في حنو
ـ خطأ
تصيح مروى
ترفع الأم حاجبيها، يطل الأب من وراء الجريدة
– الله يسكن في الغابة
– في الغابة؟!!
تندهش الأم، يضحك الأب عائداً للجريدة
ـ من قال لك هذا؟
تضرب مروى الأرض بقدمها الصغيرة، تضع يديها حول خصرها:
ـ ذهب حمزة ليحضر التوت، ولم يعد، قال المعلم أن الله استبقاه، حمزة لا يكذب
في ذهنها يقفز سؤال: ترى كان يذهب لو يعرف أن الله يسكن شجرة التوت؟
يومين وغابت (مروى) ظلت طاولتها وحمزة شاغرةً كئيبة، يومٌ آخر والطاولة كشجرةٍ فاجأها الخريف، في اليوم الثالث دنس جمعٌ هائلٌ حرم الغابة, كسروا صمتها الخاشع الشفيف
ـ مرواااااا
صاح صوتٌ شاحبٌ ملتاع
ـ حمزاا
من أمام شجرة التوت الكبيرة مرو، دهسوا ثماراً ترقد على العشب في سلام
– مروااااااا مروااااا
– حمزاا
توقفوا عند الشجرة، تلفتوا يميناً، ويساراً، في كل اتجاه، بينما حمزة ومروى يتوسدان سحابةٍ فوق الشجرة، كفيهما الصغيرتين على شفتيهما، يكتمان ضحكاتٍ تكاد تفلت من فمهما المحشو بالتوت، توتٌ أصفر، وأحمر…وأسود.
- توتة توتة
- التعليقات