غابت كثيراً حتى اغتربتُ، ولم تغادر خيالي في غربتي… بقيت تتمايل، وتتثنى… وأنا غير مدرك هل تداعبني؛ أم تسخر مني؟
انتظرتها في منامي، فجاءت تتمايل كأغصان شجرة في مهب ريح شمالية تحت سماء ممطرة، ترسل رذاذها البارد، لتتراقص قطرات الندى على وجهي، فواحة تنشر الفرح والبهجة، فغرد يمام قادمٌ من جنة، تفتحَ زهرُها، ناشراً عطره، يفيض بالرضا والأمل في سعادة مرتقبة.
لم أصدق ما يحدث فهو أجمل بكثير مما حلمت به أو توقعته، حاولت الكلام فالتصق لساني بسقف حلقي، فحشرت إصبعي السبابة في فمي، استخلصه من الحبس، فصعب تحريره، ولم يكن أمامي إلا أن ألقي اللوم على لساني الثمل، وعرفت أني لن انتشي عشقاً، ولن أذوق الهوى، وأن بهجة الحياة التي اقتربت تعد بالوصل، تبخرت هباءً، ورأيتني مبحراً في غرود رمال سماءها غير السماء، وأرضها خراب، فتمنيت أن أعود لما كنت عليه من صفاء.
نظرت لي مشفقة، وغادرت دون أن تنبس ببنت شفة، فقتلتني نظرة العطف، وتذكرت صديقي المبدع الكبير الذي سلبه كارل يونج عقله، وخفت أن تفعل بي مثله، فدخلت داخلي، ولمت نفسي كثيراً على عربدة لساني الثمل بكلمات فواحة برائحة نبيذ سماوي، لا أعرف من أين يأتي به، وابتلعته كله، وقررت أن أخاطبها بالبريد الإلكتروني لأنه لا يحتاج طابع بريد، يستلزم مد طرف اللسان لبل قفاه، ولا حاجة لكتابة عنواني، ولا عنوانها لأني أخطئ دائماً في كتابة العناوين في مكانهما الصحيح فأنا واثق أنهما عنوان واحد؛ فتصبح جميع الرسائل موجهة مني إلى شخصي المتواضع.
شاركني صديقي المبدع الكبير الذي سلبه كارل يونج عقله والذي يقبع في مخيلتي في كتابة الرسالة الإلكترونية، وحدثني عن أهمية استرضاء الأنثى والوطن، فكلاهما رحم يحملنا للحياة، ويمضي بنا نحو الموت، وأشار نحو شفق الفجر الأحمر، وقال:
“هو الفجر الأحمر من سيحررك ويحييني، يحيينا كأس خمره الأول، وإن لم نسُد فالجرعة الثانية تشربنا، والثالثة تهضمنا، وتستهلكنا… كأس الفجر الأحمر هو الحل… هو المبتدأ والمنتهى، فخذ قرارك… ولا تنسى أن الفجر الأحمر وحش، يُمكنكَ أن تسود حين يأكل أعداءك، لكن إن تمكن خصومك من ترويضه… سيأكلك.”
ارتعش قلبي ارتعاشه خفيفة في قلب بركة رمل مالح، وترنحتُ يميناً، وذات يسار بينما غادرني نديمي، مردداً بصوت هائل:
“لا ينسى النهر طريقه أبداً… نحن من يحول مساره، فثق في نفسك واندفاع الماء”.

أضف تعليقاً