فجْأة لمْ يجدْه خلفه …كانت الرمال حارقة لا مهْرب منها إلا إليها ، تلفت مرَّاتٍ فلم يرَ إلا الرمال تعانق الرمال ، فهل يعود لتقصي مكان تواجده أم يمضي حتى يلتحق به إن كان لا يزال حيا… سيمضي مُكرها ، فهولا يستطيع أن يجلس أو يتوقف لانتظاره ، كل توقف يشعره بالمتاعب و عسر التحمل ، يطيق الانتظار في أي مكان إلا في قلب هذه المفازة اللامتناهية …هاهو ذا منهكا يشعر بدوار ، يشعر بحريق يدب في رأسه ، صار بلا رجلين ولا يدين ، لم يتبق منه سوى رأس يتلظى ، وقلب يكاد يصرخ في صدره يطلب النجدة ، تحسس جبينه فوجد بقايا الرمل المشَرَّبة بعرقه تسقط كلما حرَّك جفنيه المترهلين ، أراد النهوض فلم يفلح في جمع رجليه ولا يديه ، جسده جذع مُلْقى يعتريه الجُمود ، لم يدْرِ لِمَ و متى سقط … ها شبح الموت أمامه وخلفه ، لا وقت لديه للتفكير ولا أفكار تسعفه في محنته ، سيستسلم للموت ، و سيبقى مجهول المصير في أحاديث النساء والرجال والأطفال ، الأصدقاء والأعداء…
استسلم فكان محظوظا ، فهاهي القوارب الصغيرة والكبيرة تتجه نحوه دون استغاثة ولا استنجاد ، كم هي جميلة ملابس هؤلاء ، كم هي صبوحة هذه الوجوه المغيثة للبسطاء مثله ، امتدت إليه الأيادي الناعمة فاستفاق من حلمه وصار يطيق مواصلة رحلته …قبل الخطوة الأولى تبادرت إلى ذهنه صورة رفيقه عبد المجيد فتصوره يهوي لتنغلق عليه الكثبان وقد نفقت روحه فصار رقما في قائمة الموتى منذ ساعات …لم تتركه التخيلات المتناسلة إزاء الرفيق كي يستأنف رحلته فجلس للثناء والبكاء ، كان يتذكر آخر كلمات صديقه وهو يتحدث عن فلسفته إزاء الحياة مخالفا في ذلك فلاسفة الغرب والشرق ، فالحياة فتْحٌ للعين والموت غلْقٌ لها…عاد إلى الرثاء والبكاء ، كفكف دمعه الذي لم يَرَ أغْزَر منه… سمع صوتا متردِّدَ الصَّدى في ذاك الفضاء الواسع ، بعد حين ، عرف أنه لغربان و عقبان ، ازداد يقينه بهلاك الصديق وحيدا بين كثبان الرمال الحارقة ، سيصير بعد لحظة وجيزة مأدبة لهذه المخلوقات المزعجة …
من يجرأ على التحدث إلى أهله بالواقعة ؟ اتهامهم إياه بقتله أقرب الاحتمالات ، فقبل الرحيل كانا معا يلوِّحان للجميع وهما يبتعدان عن القرية قبل أن يبتلعهم هذا الدرب الطويل … قال في نفسه : ” ليثني مكثت حتى يصلح من حذائه بدل التخلي عنه عرضة للموت والضياع ، ما أقبح السرعة ! إنها فعلا من الشيطان ، ماذا سأقول لهم ، كيف سأتمكن من إقناعهم ، ويحي ، فقد أصير عرضة للقصاص رغم براءتي ، فنموت بريئين بلا ذنب ولا خطيئة ، ولكن صاحبي لم يكن غنيا حتى أطمع في ماله ، وزاده أقل من زادي ” ، توقف عن التفكير حتى يستعيد توازنه كي يستأنفه نحو الحلول الأخيرة ، لم يفلح في إقناع نفسه وإقناع الذين سيلقاهم إن نجا ، آه ، كم سيكون حزن أمه وبكاؤها مؤلما للجميع ، وماذا ستفعل أخته التي حبُّها إياه أكثرُ من حبِّّها لأبيها ؟ كيف سيتصرف أبوه حين يصدمه الخبر المفجع ؟ تدافعت الأسئلة عليه فأنسته نيران الرمال ، وحرارة الجو الخانق ، راودته فكرة كون ما هو عليه ليس سوى حلم ، وحتى يتأكد من ذلك صفع جبهته مرات ، قرص خده ، وحاول نتف بعض شعره فشعر بالألم المبرح ، تأكد من كون الأمر واقعا و حقيقة مُرَّة … لم يدْرِ لِمَ فكَّر في قصص جدته … كانت تحدثه وإخوته عن قصصها الموروثة التي لا تعرف سواها ، فهي ضريرة ولم تشاهد التلفاز يوما ، قالت لهم يوما : إن التماسيح البرية أشرس وأخطر من قروش البحار ، وأن كثبان الرمال حين تهيج تفوق أمواج البحر ، هي الطوفان ، وهي الموت بعينه ، عاد به التفكير في حال صاحبه المسكين الذي لن يهمَّه ما يفكر به ، فالأموات لا يعنيهم حتى السلخ والطعن ، والشاة لا يؤذيها سلخها بعد ذبحها، أراد استئناف السير فانجمع بصعوبة ، فكر في الأفاعي وحذائه البالي ، فكر في رؤوس الكثبان المنتصبة أمامه ، وَيْحيه منها إن هبت العاصفة ، ويح أهل الفقيد ، من سيخبرهم بالمصير ؟ بدأ يخطو ، دار في خلده أن صاحبه قد يكون حيّا ، وعلى التوِّ تأكد له ذلك من اتجاه الغربان الذي خالف مكان وجود الصديق …سار يخطو ويفكر ويتساءل ، تحسنت حركاته ، خف تفكيره من فجيعة الفقيد ، عاد إليه التساؤل ورؤوس أشجار القرية تلوح له شاحبة قهَرتْها الحرارة … هاهو ذا في أول طريق يتوسط المنازل ، السكينة تعم الأرجاء ، توقف كي يُعد نفسه للتحدُّث عن الخبر ، لم يستطع ذلك ، سار عازما على دخول بيته كي يستريح ريثما يُسْأل عن الفقيد … أمام منزله بدا رجُل جالس بيده وريقات يحدق فيها ، اندهش اندهاشا، وقبل أن يسلم عليه ، بادر عبد المجيد فسأله عن أعباء الطريق …
حملق فيه ولم يتحدث .
- تيه
- التعليقات