انزرد وجه “منعم” بالغضب حتى حاكى ثمرة طماطم ناضجة , يلصق “العربى” كتفيه المتوترين بالحائط معتمدا على بنيانه المربع المتين . كل محاولة يأتى بها منعم للخلاص من الساعدين القويين تدفع إلى ذاكرة “العربى” رائحة عطر “ثريا ” , وبضاضة سمانة ساقها , والبحة الحريفة فى صوتها حال تصيبها الرعشة . ” ثريا فى اعتصام مفتوح من أسبوع مضى لدى أبيها “الهوارى” بعد أن لطمها ” العربى” فى لحظة تهور لسبب تافه يتعلق بسلطاته الذكورية . لم يعفه من زلته اعتذاره بلطشة الحشيش , قال له الهوارى : ” طب روح الليلة يابغل , وبكره نشوف ” . ومرت ليال سبع , ولو أفلت عبد المنعم الآن من يديه لحرمت عليه ثريا لمدى لا يعلمه الا الله . “منعم ” أشبه بعود خيرزان , لكنه محشو بعافية ثلاثة رجال , والآن راكبه عفريت , يتلوى كأفعى محاولا التخلص من قبضات الرجال , قابضا بيمناه على قالب كامل من الآجر , رأسه وألف سيف ليشجن رأس الهوارى . التصميم والعزم الباديان على منعم دفعا العربى لغرس أظافره فى الكتف الأبنوسى الضامر , وغرس عينيه فى عينى حربى ( الصايع ) : والله لو أفلته لأحزن رقبتك . فاشتدت قبضة “حربى ” على معصم منعم النحيل , وحدثته نفسه أن المناهدة طالت أكثر مما ينبغى . أوشك أن يدك دماغ الفتى بقبضته لينهى النزاع . كان قلبه معلقا بالتوكتوك الذى سلمه له العربى مساء أمس فيما يشبه الاحتفال الشعبى . فضحه ابن الكلب وجرسه وفرج عليه درباله بأسرها , تحمله متسلحا بصبر أيوب , فالتوكتوك هو فرصته الأخيرة لمفارقة حياة التشرد , والتخلص من اللقب الكريه . ماأن رأى العربى يهجم على منعم ويكبله , بينما الأخير يتملص ويعافر , حتى اندفع تاركا التوكتوك وسط الطريق وأسرع لنجدة معلمه . من اللحظة الأولى أدرك بمجرد الإشارة أنه مكلف بالسيطرة على اليد القابضة على الحجر .. قال له العربى وهو يسلمه التوكتوك بصوت سمعه القاصى والدانى : ” الغله كل مسا على داير مليم , ولو خدشته , حاعورك ” . فماذا لو انفلت الحجرمن يد منعم ؟ . وابن الأبالسة لا يهدأ , ولا يكف عن السباب , و”الهوارى ” كأنه لم يلطم ” منعم ” بقبضته ذات الخواتم الخمس ويحطم له اثنتان من أسنانه الأمامية , وكأن ” منعم ” لا ينشال ولا ينهبد على بعد خطوات منه بين كلابات صبيانه , راح يكمل دور السيجه مع الشيخ ” عامر” . لا يستطيع الشيخ المغامرة بالانسحاب , شخط فيه الهوارى : اقعد ياشيخ , كمل الدور . فقعد . لسان ” الهوارى ” سليط , وقبضته (طرشه ) , وهو رجل على باب الله , لا يملك إلا رضا ” الهوارى ” الذى يتيح له التسكع فى الجوار ملتقطا رزقه : يروح منعم فى داهيه , هكذا تمتم لنفسه , ولم قفطانه , وقعد .
كانت الشمس على وشك المغيب , وعندما غابت كان ” منعم ” قد فقد قواه وصار كالخرقة فى يد ” العربى ” . وعندما سقط الحجر بقوة الجاذبية , انطلق ” حربى” فامتطى التوكتوك , وطار . لم يلحظ أحد منعم وهو ينسحب مستترا بالسياج النباتى الذى يتيح للرجال إفراغ مثاناتهم , ساترا عوراتهم عن سيل السيارات المتدفق من حول الميدان . فى المساء نفسه كان العربى فى مكانه المعتاد , يجرش الفحم المتوهج , ويرصع به الحجر , قبل أن يمد يده الملوثة بدماء منعم مقربا المبسم من فم الهوارى . مازحه ” بقفشة ” أطلقت ضحكة خشنة مدوية , لكنه أبدا لم يجرؤ على مفاتحته فى أمر ثريا .

أضف تعليقاً