لذا كانت ثقافة العقاد أعمق من ثقافة طه حسين… أو بين اللّغة الانجليزية واللّغة الفرنسية…

ما تحدّث عنه عباس محمود العقاد في جلّ كتبه عن أعلام تاريخية ومعاصرة، من مختلف الجنسيات، عربيّة وأعجميّة، يكشف عمق ثقافته وحضوره الايبستيمي في تناول قضايا الفكر والأدب والنّقد والفلسفة والفنّ، بعيدا عن أيّ تعصّب، وبتركيز شديد عند كلّ فكرة أو حادثة، أو شخصيّة، وامتلاكه لناصيتيّ اللّغتين العربيّة والانجليزية ساعده على معرفة ما معنى أن تقرأ…؟ وما معنى أن تكتب…؟ فقد تحدّث عن “بيرنارد شو” الذي استوقفه في عديد الجوانب، في مقدّمتها الجانب النّفسي وراح ينقّب في هذه الشّخصية من ميلادها إلى وفاتها، في ما كُتب عنها بالانجليزية وما ترجم إلى لغات أخرى كاللّغة العربيّة، فتحدّث عنه باسهاب وألّف في حقّه كتابا قيّما، تتبّع فيه تفاصيل حياة هذه الشّخصيّة من حيث هي إنسان أو مفكّر أو أديب أو فيلسوف ووصف سلوكه بذلك الإنسان المسالم الذي قضى حياته باحثا عن أسباب اهتمام “بيرنارد شو” بالمرأة والنّصائح الفلسفية والسّاخرة التي يرى أنّها ضرورية لها، برّغم من إدراكه لحقية الطّبائع لدى المرأة ووصوله إلى جملة من الأفكار الشّاملة والحاسمة غير أنّه بقي معلّقا في الوصول إلى جواب مقنع عن سؤال طرحه في كلّ بداية عن حديثه عن المرأة : ماذا تريد المرأة…؟ في الحقيقة استطاع العقاد أن يحسم الأمر في تجاوز هذا الإشكال والإجابة عنه بكلّ سهولة عندما اعتبر “بيرنارد شو” نفسه لم يفهم ما معن أنّك تتحدّث عن المرأة بعيدا عن السياقات الاجتماعية والطبيعية التي تعيش فيها…أثبت في أكثر من حالة مدى عجز “بيرنارد شو” رغم أهليّته في التّفكير الفلسفي في القضايا الاجتماعيّة خاصّة، وأن تردّ على فيلوسف فالمسألة تقتضي كفاءة كبيرة وعبقريّة متّزنة بحجم عبّاس محمود العقاد، إذاً القبض على مثل هكذا الأطاريح الكونيّة يعني الخوض في مجالات محفوفة بمحاذير العرف والدّين قلّما يوفّق فيها كاتب ويحسم في طبيعتها…وما تحدّث عنه طه حسين كثير أيضا، لم يمنحه تأهّله البحثي في حسم قضايا إنسانية مشابهة بتلك التي أثارها العقاد سابقة أو لاحقة لتجربة طه ةحسين، عندما تحدّ عن أعلام عصره من كبار المفكّرين ظلّ سعيه محصورا في إثارة قضايا خلافية مستفزّة جعلت من خصومه الواقعيين يردّون على ما كتبه من مقالات وما ألّفه من كتبه كتلك التي تحدّث فيها عن شخصيات تاريخية فاعلة في التّاريخ واللّغة والدين والفلسفة، تحّدث عن “بيرنارد شو” لكنّه فشل في حسم فكرة المرأة التي توصّل لها العقاد ومن ثمّ الردّ عليه، فالمحاججة عند العقّاد قويّة مستندة إلى مقولات مأخوذة من المجتمع، وتجربة هذا الفيلسوف وأفكاره التي دسّها في مسرحياته الذي أراد أن يختلف فكان اختلافه إثارة فكرة دون حسمها…وبرّغم من تمكّن طه حسين من ناصية اللّغة الفرنسية إلاّ أنّه وجد نفسه أمام شتات من الأفكار وآراء سطحية، تحدّث عن “بيرنارد شو” ولكنّه تجاوز الحديث عنه في تكوين شخصيّته، فكتب ما يمكن أن نسميه بالتراجم بعيدا نوعاما عن عمق الطّرح الذي كان يسعى إليه “بيرناردشو”…فما تحدّث عنه طه حسين بشمولية أصابه التسطيح وللّغة الفرنسية جانب في ذلك فيما تعمّق فيه العقاد بقوة لغته وجزارة فكره وجزالة أسلوبه…

أضف تعليقاً