بعدما ملّ التأمل بل لم يعد هناك ما يتأمله ، استل ّ ثلثي عمره وطرحه جانبا ًدون أن يبوح لأي أحد لكنه فقط أشار إلى صورة جده المعلقة على الحائط بالأسود والأبيض وقد غلب البياض على السواد كثيرا ً واختفت بعض الملامح ، بينما هو يتذكر أن جده في الحقيقة كان سواده يغلب على بياضه بل لا يتذكر أبدا ً أن هناك ولو رقعة صغيرة جدا ً من جسد جده كان بالامكان أن يسميها بياضا ً بالمعنى المألوف مما سجل لديه أول انطباع مؤكد بأن الحياة ما هي الاّ زيف جميل يسحلنا نحو الخديعة ، بدأ يعيد طامة ذكرياته ، صفنة سخيفة واحدة أعادته إلى ما قبل خمسين سنة حين كان صبيا ً يوم اختلى بنفسه في ظهيرة حادة مستغلا ًقيلولة العائلة وقد أحضر مرآة وقطعة من الفحم وأخذ يرسم له لحية ً وشاربا ً داكنتي السواد ليمنّي نفسه ولأول مرّة بأنه أصبح رجلا ،تناول قلم رصاص انتهى نصفه ووضعه بين اصابعه واخذ يمصه بقوة كمدخن مدمن ثم ينفث زفيرا قويا من فمه الى الأعلى متخيلا كرات من الدخان الوهمي تصعد الى الأعلى ثم تتلاشى تدريجيا في الفضاء،صاح بصوت لايسمعه الا هو –بابا علاوي قدح ماء –
-عفية..قل لامك سأذهب بعد قليل الى السوق هل تحتاج الى شيء،
– دير بالك على اخوانك من السيارات .
ً وبنفس الوقت تذكر وبذات السخافة حين جاء قبل ثلاثة أيام بصبغ الشعر الأسود وصبغ لحيته وشاربه وشعر رأسه ليخفي بياضهما ليمنّي نفسه بذات الأمنية التي تمناها قبل أكثر من خمسين سنة ولكن بصورة أكثر خداعا ً وزيفا ً ففي كلا المرحلتين كان يمنّي نفسه بفحولة جامحة كي يفترس امرأة بارعة الجمال – لا عفوا ً متواضعة الجمال – لكن الفرق الوحيد أنه كان لم يبلغ الحلم آنذاك والآن لم يستطع أن ينكر تدّمر فحولته التي يرممها بين فترة واخرى باقراص الفياغرو فالتجأ إلى المرآة ثانية وظل يحدّق فيها لساعات وحين داخ تماما ً من التحديق في المرآة ولم يستسغ صوره المزيفة دمّر كل المرايا الموجودة في المنزل بما في ذلك صورة جدّه التي يغلب فيها البياض على السواد ….

أضف تعليقاً