..بعد ان عادت زوجتي من العمل كالعادة مساءا، غادرتُ البيت، وفي صدري غصة غير معتادة. لقد خاب ظني، ولم أنل رضاها، رغم اني بذلت جهدا كبيرا، وحاولت ان لااغفل عن اي صغيرة سبق ونبهتني إليها، إعتنيت بالصغير اكثر مما افعل عادة: ارضعته ،حممته، هدهدته، كي لايستقبلها بصراخه الملحاح، كما حدث مرات، فينقلب صراخا علي من لسان زوجتي الغاضب؛ كما انجزتُ شغل البيت واكثر، كأي امرأة ” حادگة”، بهمة عالية ونشاط لايكل. لهذا فتحت الباب لزوجتي، وعلى شفتي ابتسامة انتصار. لكنها هذه المرة، صرختْ في وجهي بضيق شديد يغذيه ارهاق بادٍ:
– انت لست رجلا.!
لم أقل شيئا.. وضعتُ الاكل امامها. أغلقتُ الباب ورائي، وغادرتُ، مرجعا ذلك الى التعب من العمل في الضيعات الفلاحية.! كيف لا، وهي لم تقل ذلك حتى عندما كنت اعود من الموقوف، كل يوم تقريبا، خائبا، دون ان استطيع التسابق مع جيش من الاجراء يفيض عن الحاجة، وغالبا كنت ألفظ الى الصفوف الاخيرة، لهذا كنا نبيت احيانا شبه جائعين. لكن الحال تغير، وتحسن، بعد ان صارت زوجتي تذهب باكرا الى الموقوف عوضي،ولأن الطلب على ايادي النساء اكبر، استطاعت ان تعمل، وتطرد شبح الجوع عنا، وانكببتُ انا على شغل البيت والاعتناء بالصغير بهمة وتفان، وارتحتُ من عناء تدافع في الموقوف لااقدر عليه.! لم اغضب من قولها ذاك، لأنها تقول الحقيقة، وانا اصدقها، وكيف لا وهي قد نبهتني من قبل الى اني اصدق كل مايقال لي، ولااملك اي مناعة من شك، مما يسهل خداعي.! طبعا صدقتها..وكيف اكذب زوجتي انا الذي يصدق الآخرين.!؟ لهذا كان مصدر الغصة التي احتبست في صدري ليس الغضب من كلامها، وانما لأنها تقول لي الحقيقة : لقد فاتني ان اكون رجلا.!
لهذا تركت البيت، وكل اماني ان اجد جحا، حتى يشبعني ضحكا يذهب عني كل الغم، وان لااجد احدا سبقني اليه هو المطلوب من كل ناس المدشر.. حالفني الحظ سريعا، ووجدته في جنان زيتون قرب بيتي، ينصب الفخاخ كعادته، وأيقنت ان ضحكا غزيرا سينهمر من شفتي ويروي جفافا كنت اشعر به في روحي.! فجحا يستطيع ان يقلد اي صوت واي حركة، ولايبخل على اي كان بعطاء من نبعه الضاحك.. لهذا رد التحية علي مقلدا، باتقان لايستطيعه غيره، الطريقة التي ألقيتها بها، وسمعت فورا خشخشة اقدام ضحكة تصعد من اعماقي وهي تخطو على هشيم كنت اشعر به يملأ روحي لحظتها. احسست وكأن تخاطرا جري بيننا، جعله يحدس حاجتي الماسة الى قدرته على الاضحاك، وراح، بسخاء شديد وبراعة يحسد عليها، يقلد ادنى اشارة او تمتمة تصدر عني، ورحتُ اضحك كالاطفال..بل زاد سخاء عطائه الضاحك المضحك، وطلب مني نزع ثيابي، ليلبسها كي يبدو مثلي تماما. لم ارفض..ارتديت ثيابه، وارتدى ثيابي، وانا اضحك. وهاج ضحكي، حين راح يقلدني في مشيتي، وجميع حركاتي وسكناتي وضحكاتي..لكنه فاجأني، وهو يمسك معصمي، ويقول بابتسامة غامضة :
– استطيع ان ألبس حتى وجهك، واصير بنفس سحنتك تماما..انا جحا ومن لايعرفه.!
فغرتُ فمي دهشة، وقلت بتلعثم:
– كي ي كيف.!؟
قلد تلعثمي بطريقة اضحكتني كثيرا، ثم قال بجد :
– أتجرب.!؟ انظر إلي، اذن، ولاترمش.!
بحلقتُ في وجهه لبرهة، وسرعان ما شعرت اني كزجاج شفاف امام نظرته المركزة كالسهم، وتشتت بصري فتراخت رموشي.! دار حولي سبع دورات، وتمتم بكلام لم افهمه، ثم وضع كفه على رأسي، ومررها على وجهي، وعاد وجلس الى جانبي، بعد ان اخرج مرآة صغيرة من جيبه، نظر إليها، وقال فيما هو يقربها من عيني :
– انظر، لقد صار وجهك هو وجهي.!
نظرت باندهاش الى المرآة. حقا رأيت وجها يشبه وجهي، ولم اعرف ماذا اقول.! لكنه بادرني وكأنه لمح مايشي بأني لااصدق مايدعي، ودعاني كي اتأكد من الامر، ان اسمح له بالذهاب الى بيتي، لأرى ما إن كانت زوجتي ستسمح له بالدخول ام لا.! ضحكتُ للفكرة الطريفة، ولم اعترض..وهكذا تركته يذهب ولبثتُ اراقب من وراء جذع شجرة زوجتي التي فتحت له الباب، ودخل. أيقنتُ انه حقا صار بوجهي بعد ان ارتدى ثيابي، ولم اسمع ما إذا كانت زوجتي قد قالت له:
– انت لست رجلا.!
مكثت في مكاني انتظر خروج جحا، وعلى شفتي ابتسامة لاتفتر..لكن الانتظار طال اكثر مما ظننت، وبدأ الشك في اقتلاع الابتسامة من شفتي، ونهضت من مكاني. رحتُ اسير جيئة وذهابا، علّي انفض الشك من نفسي، ثم توجهت الى البيت مسرعا،بعد ان خطرت ببالي فكرة جهنمية مفادها انها فرصة ثمينة لاختبار وفاء زوجتي، وطرقت الباب بقبضة مرتجفة. فتحتْه دون طويل انتظار، وألقتْ نظرة سريعة علي، ثم عادتْ واغلقته بعصبية بادية، وايقنتُ اني احمل وجهه بعد ان ارتديت ثيابه، فقلت لنفسي، بعد ان لعنتُ وساوسها:
– امرأتي شريفة عفيفة.!
وجلستُ، باطمئنان، انتظر خروج جحا، من بيتي، ليعيد إلي وجهي، ويأخذ سحنته.!

أضف تعليقاً