شمسٌ لاهبةٌ، ورمادٌ أسودُ، وصراخٌ يذيبُ حلكةَ الليلِ. هكذا انْفَجَرَتْ حكايةُ “أحمد” و”ليلى” و”فاطمة”، براعمُ سُرِقَتْ ألوانُها، وبُدِّلَتْ قهقهاتُها إلى صليلِ أنينٍ.
في رُكنٍ مهجورٍ، خلفَ جدارٍ تَشَقَّقَ قلبُهُ من صفعاتِ القصفِ، تَكَنَّسَ الأطفالُ الثلاثةُ. وجوهٌ تَعْبِقُ بشحوبِ الموتِ، وأعينٌ مَشْطُورةٌ تَبُوحُ برعشةِ الروعِ. “أحمد”، بعينيهِ الغائرتينِ اللتينِ لم تُغادرهما طُغْيانُ خيالِ الجنديِّ، تَلَبَّثَ بأختيهِ؛ “ليلى” التي تَنْهَمِرُ صَمْتًا، و”فاطمة” التي تَشْرَبُ الفراغَ، وكأنها تَلْمَحُ قَمَرَ مستقبلٍ قد غابَ.
وراءَ رُكامِ الجدارِ، تَرَبَّعَ وَهْمُ جنديٍّ؛ لا يَنْبَجِسُ منه سوى وَخْزَةِ القسوةِ، كَوَشْوَشَةِ كابوسٍ يُطارِدُهم في كلِّ صحوةٍ. كانت ثِقَابُ الرصاصِ تَنْكُأُ الجدارَ، تاركةً ندوباً تَرْشَحُ منها أرواحُ طفولتِهم. كلُّ نَخْرٍ كان مَخْزَنَ ذكرى مُرَّةٍ: دويُّ انهيارٍ، شهقةُ أمٍّ، أو رَمْقَةُ أبٍ جَفَّ وجودُهُ.
بينَ فجواتِ السِّترِ المتهاوي، تَمَزَّقَتْ أبصارُهم باحثةً عن شقٍّ لنورٍ، عن يَدٍ حانيةٍ تَنْتَزِعُهم من وَحْلِ الفناءِ، عن فجرٍ لا يحملُ إلا بَشَائِرَ سَلامٍ. لكنَّ النورَ كان يَخْبو مع كلِّ وميضِ قذيفةٍ، ومع كلِّ غرسِ حلمٍ يَتَكسَّرُ.
في تلكَ اللحظةِ المَصْفُودةِ، لم يكنْ سوى ثلاثةِ أرواحٍ مُعَلَّقَةٍ، وجدارٍ مُنْهارٍ، وظلٍّ لجنديٍّ لا يُورقُ فيه رحمةٌ. قصةٌ نَضَّتْ حروفَها، لكنها تَحْتَضِنُ في تَجَاعيدِها كُلَّ فجيعةِ حربٍ، وكُلَّ لوعةِ طفولةٍ مسروقةٍ.

أضف تعليقاً