وجدتني في وسط بؤرة نصفها يغشاه نور ساطع، ونصفها الآخر يسبح في غياهب عتمة شديدة. ألفيت عيني اليمنى تتراءى لها الكائنات والأشياء بألوانها الزاهية وأشكالها وأحجامها الحقيقية، بينما عيني اليسرى لا ترى إلا ظلاما حالكا يحجب عنها رؤية كل شيء. موزعا بين الرؤيتين، تاه مني القرار، أسدلت ستارا حاجبا فعمت سجف ظلام دامس. توارت الكائنات والأشياء وراء حجب العتمة. لا شيء أمامي إلا طبقات ظلام بعضها فوق بعض. الفضاء حولي، أتصوره ممتدا فسيحا في كل الاتجاهات لكني لا أحيط به. داهمتني حيرة شديدة، تهت في دروب متاهة معتمة، ليست قدرا مقدورا، بل أنا من حبكت خيوطها وأدلجت دروبها واخترت أن ألقي بنفسي في بحرها الموار المدلهم. ما يضيرني لو رضيت بما أرى، وزهدت في ما لا أرى، هذا خير من أن تكبلني الظلمة وتقذف بي في غيابات عالم يسوده السواد القاتم.
سمعت صوتا نابعا مني يقول لي:
قدرك أن تعيش وحيدا في عالم مكتظ، تغشاه الفوضى وتعمه الضوضاء، تراقب ما يجري فيه من برج عال، محبس بنيت جدرانه من خيباتك، وصنعت قضبانه من أوهامك والزمت نفسك بالاحتماء به. فبت نهبا لهواجسك ومخاوفك، ليلك بلا أحلام ونهارك بلا ضياء… بحر أعماقك اللجي أولى بك، غوره بلا قرار، ليله بلا نهار…
أمسكت بيدي، ضغطت عليها بقوة، في صغري لم تكن تجديني نفعا محاولاتي للتملص من قبضتها. تسعفها يدي الصغيرة. تقدمت بخطوات واثقة طاوعتها. يدي لم تعد طوع يدها، أصبحت أكبر وأقوى. مشينا بضع خطوات. تراءى لي جدار عال. توقفتُ…
قالت: لا يغرنك ما يتراءى لك…
قلت: وهذا الجدار العالي يسد الأفق؟ !
قالت: هو وهْمٌ من ضمن أوهام أخرى…
قلت: كيف لي أن أميز الوهم من الحقيقة؟
قالت: بالنار الحارقة يلين الحديد، وبها يفرز الذهب الإبريز…
قلت: لا طاقة لي بمكابدة الاحتراق، اكتفي من الوجود بما هو موجود!!
قالت: ستبقى حبيس المابين في بؤرة الوجود…
ستفوت عليك الرقي نحو جوهر الوجود…
قلت: … عتمة أم نور؟؟
قالت: هات يدك، أول الطريق خرق وهم الجدار..

أضف تعليقاً