أصوات مؤذني مساجد المدينة العتيقة وهم يهللون ويكبرون قبل أذان الفجر، كسرت جدار الصمت واخترقت سدف الظلام البهيم، طرقت مسمعي، وأعادتني من رحلة تيه أخذتني بعيدا في الزمن. منذ مدة وأنا محاصر، بفكرة راودتني وما زالت إلى اليوم . في كل مرحلة تلبس لبوسا مختلفا. فكرة ليست واضحة المعالم تماما، مدفوعا بقيمتي الوفاء والإخلاص للرمز، المكان والكائنات والإنسان والقيم، جماع هذه المكونات هو ما أسميه المدينة. فكرة في أصلها ذات منبع ميتافيزيقي غير واضح. الإحساس بأن هناك دينا يطوق عنقي لهذا الكائن الرمزي الهلامي الملامح المسمى مدينة. تتجلى، أحيانا فاتنة واضحة القسمات، أنثى جميلة شبقة، تفتح أحضانها للجميع. تأكلني الغيرة، لأنني أريدها خالصة لي من دون الناس. وأحيانا، تقبع على قارعة التاريخ عجوزا شمطاء، تحيك المؤامرات والدسائس.
جدتي، انطلاقا من علاقة بسيطة وعميقة بالرمز، لا تعقده فتغرق في تجريده، ولا تسقط في الابتذال فتجسده في شيء تحوزه لمنفعة شخصية، كانت تسمي ما تملت به عيناها، وأدركته حواسها، وأترعت به روحها حتى الثمالة؛ المدينة. منذ أن وطئت قدماها ثراها طفلة غرة، واستنشقت هواءها وذرات غبارها، وشربت ماءها، و… تماهت معها، وصارت جزءا منها، ما تركتها ولا ابتعدت عنها إلى مدينة أخرى، إلا مرة واحدة لضرورة قاهرة.
اعتلت صحتها، وكلت عيناها، لم تكن في ما مضى إذا انتابها عياء، كيفما كان العياء، تزور المشفى أو تبيح جسمها الضئيل لطبيب أو طبيبة. إنما زيارة لضريح ولي من أولياء الله الصالحين تكفي، رجال المدينة الذين لا يخلو حي من أحيائها من واحد منهم أو أكثر. غرفة بسيطة معتمة، فوق جدرانها ذات البياض الباهت تتراقص على ذبالة شمعة باكية ظلال أشباح مخيفة. تبيت بالقرب من قبر لا يختلف عن قبور المدينة، ثلاث ليال سويا، في صباح اليوم الرابع تعود إلى بيتها في كامل عافيتها. لما انطفأ نور عينيها، أرغموها على الذهاب إلى المدينة الكبيرة لإجراء عملية جراحية… في اليوم الرابع لم تتوقف عن الصراخ:
– أرجعوني إلى المدينة !!
قالوا لها :
– إننا في المدينة !!
صاحت في وجههم بغضب واستغراب:
– ليست هناك إلا مدينة واحدة!!.

أضف تعليقاً