انتشر الرعب في القرية والمدينة وشمل كافة البلاد وطال كامل الجزيرة، لسوء الأوضاع قام خليل أبو الرضيعة ياسمين التي شاركته نور الدنيا منذ بضعة شهور بعد زواج ثلاث سنوات من حبيبته الوحيدة في الحياة وبعد قصة حب كان يضرب بها المثل. قام بإعادة بناء السقيفة، في الماضي لم يكن يحسب لها أي حساب ولحاله الميسور كان يغض الطرف عنها إلا أن الوضع لم يعد كما كان، كما لم يترك سلاحا تقليديا إلا ووضعه خصيصا استعدادا لأي دفاع عن نفسه وعن عائلته والتي كانت كل ما ملك في الدنيا.
ذات صباح دق باب البيت، هم ليفتح، في البداية ظن بأنه بائع الحليب لكن تفطن أن الفتى منذ مدة لم يقدم إليهم فتراجع، وأول ما فعل أن اتجه إلى ذخيرته من السلاح وبمجرد أن حمل العصى حتى ضُرب الباب بقوة وهٙجم عليه عدد مخيف من الآلات البشرية الهمجية مُشْهرين أسلحتهم النارية آمرين له بالبقاء في مكانه، فتشوا البيت زاوية بزاوية وفي الأخير خرجوا وبعضهم بيده الطفلة والبعض الآخر ممسك بزوجته مشهرين السلاح باتجاه ثلاثتهم وقاموا بتخييره بين أخذ زوجته أم ذبح ابنته أمام أعينهما، خيروه بين موت وموت مع بقائه حيا في كلتا الميتتين يتنفس القهر يتجرع الألم والهزيمة.
بقي في مكانه لا يبرحه ولا يحرك ساكنا ولا ينطق ببنت شفة إلا أنه بدى كنسر جارح، مغتاظا كيف أنه لا يقوى على فعل شيء لعله كان قد منعهم من أخذها أو سقط في سبيل ذلك شهيدا وقد عُرف عنه طوال حياته أن كان عنيدا فكيف استسلم هذه المرة، وللاستسلام بأس شديد، وكيف وابنته الصغيرة في قبضة أيديهم منتظرين حركة صغيرة منه لتصير ذبيحة فرضى بالموت الأول دون الثاني.
شعر بروحه منه تنسل وبعينه بدل الدمع كان الجمر يسيل، في لحظة توقف به الزمن وتمنى لو أن الله يخسف الأرض بمن فيها أو يبعث نسيما إن لم يصب الأعداء يصيب ثلاثتهم فيرديهم قتيلا وكان ذلك أقرب منه إلى المستحيل، ولم ير أمامه من نجاة سوى استسلاما ذليلا فاستسلم وما كان بيده حيلة.
في قبضة آسريها نٙظرت إليه وبادلها النظرة نفسها، نظرة لو قاسها الزمن لنطقت السنين أوبعد هذا ترحل أوبعد هذا ترحلين، ما كنت بجرحك أرضى وما كنت بجرحي ترضين…آه على السنين…آه من الزمن، من الفكر البشري اللعين، الذي استباح فعلته فإذا هو في ظلال مبين.
نظرت إليه نظرة قوة وعزم كمحارب صنديد يستعد للمعركة وهي الجريحة الذبيحة ولم تعتب خارجا بعد، فمن يقول بأن هذا مجرد كابوس مع آخر الليل وسينجلي مع قدوم الفجر، من يقول بأنه الحلقة الأخيرة من مسلسل زمن العهر الذي استبدل الرذيلة بالفضيلة، من يقول بأنه السطر الأخير من كتاب كليلة ودمنة، ويا للأسف اختلط الخيط الأبيض بالخيط الأسود وقد أُجل الفجر إلى موعد لاحق كان علمه عند ربي.
بالرغم من أن نظرتها تلك سرقت منه دقات قلبه إنما كانت عزائه الوحيد فقد قرأ فيها أن أموت ألف ميتة على يٙدي على أن يغتال أحدهم روحي وخرجوا بها واضعين الصغيرة على عتبة الباب استعدادا لأي حركة فيتم إطلاق النار عليها وابتعدوا متوعدينها أن تسول لها نفسها بالقيام بأي شيء.
مضى يومان كان كل همه إسكات الصغيرة وتحضير زجاجة الحليب لها وكانت الآلام العالقة بروحه والتصدعات الحادثة في قلبه أقوى من تفكيره في مأكله وملبسه، وكان القهر أقرب منه لروحه فيضم الصغيرة وتسيل دموعه كمجرى النهر ويا ليتها كانت تمحي ذلك اليوم المشؤوم من حياته وهيهات أن تفعل حتى إذا بكت الصغيرة عمل على اسكاتها وما أكثر بكاءها في تلك الساعات فاحتار للأمر أهو فقدانها لأمها؟، أم شعورها بما كان يحصل؟، ولم يشعر إلا والحليب قد نفذ إذ وجد بالعلبة القليل القليل وعليه تدبر الأمر. بعد أن نامت سحب نفسه سحبا كي لا يوقظها وانساب بين الأزقة متمنيا لو صار ظلا إلى حين عودته.
وقد كانت المدينة أشبه بمدينة الموتى يُخيم عليها السكون إلا من دوي المدافع وصوت الرصاص تفيض بالقناصة فلا يعلم أحدهم من أين يأتيه سهم الموت.
غاب لساعات ليعود بعدها إلى البيت وبيده علبة حليب واحدة ذلك كل ما استطاع إحضاره لندرته، وقلبه رغم النحر كان ينبض بالفخر إذ تلقى أخبارا تفيد بأن زوجته قد وضعت حدا لحياتها بسلاح أبيض وما تبعتهم عندها فقط عرف منها سر تلك النظرات.
لقد نما حبها في قلبه وملأ تجاويفه زهرا ورياحين وزادت عزته وشعر بالمجد والخلود وهو يحمل علبة الحليب يمشي كاللص بجانب الجدران لا يكد يُسمع نٙفسه كي لا تتلقفه رصاصة قناص، لكنها أصابته وهو يفتح الباب داخلا البيت واستقبل ظهره مجموعة رصاصات لعينة، دخل وأغلق الباب من خلفه فإذا به يسمع صوت ابنته وقد علا بكاؤها، كان بكاء حارقا حرقة ما يجري، اقترب من الغرفة وهو لا يكد يمشي كانت خطاه متثاقلة، قواه تخور وعداد عمره يوشك أن يتوقف، تقدم بعينين مرقرقتين بالدموع ينادي باسمها بأحرف قد خدر نطقها ي…ا…س…م…ي…ن.
- جرح الياسمين
- التعليقات