في أتون الذاكرة الخانق، يستبدُّ غيابُها بأنفاسِهِ كوصمةٍ موجعةٍ. فجوةٌ سحيقةٌ تنهشُ جلَدَ صبرِهِ كدودةٍ مُستميتةٍ في ثمرةٍ نضِرةٍ. وخلفَ هذا الهاجسِ المُضني، يستعرُ في قلبِهِ القاحلِ ضرامُ رغبةٍ أعمقَ غورًا من الرملِ. إنها لِمسةِ كفٍّ حنونةٍ توارَتْ في دهاليزِ القدرِ، تاركةً روحهُ كطيفٍ خادعٍ وعهودًا باهتةً كأفولِ نجومٍ في سماءٍ مُقتِرةٍ لا تعرفُ المطرَ.
في غيهبِ ليلةِ يأسٍ مُتجذِّرٍ كعروقِ شجرةِ زيتونٍ عَتيقةٍ تَشبَّثتْ بجدبِ الأرضِ، يقتحمُ طيفُها الوَضِيءُ عزلتَهُ كبارقةِ أملٍ كاذبةٍ. يتسللُ من ثُقبٍ في جدارٍ مُدْلَهِمٍّ، كطيفِ سعادةٍ اندثرتْ ولنْ تعودَ. يمدُّ كأسًا فضِّيَّةً بَارِدَةً، وعدًا زائفًا بالارتواءِ بعد طولِ تَوَقُّدٍ وشوقٍ دفينٍ. لكنَّ النشوةَ تضمحلُّ كلمحِ البصرِ، تاركةً مرارةً أشدَّ فتكًا من العطش نفسهِ، كطعمِ العَلقمِ بعد حلاوةٍ مُضلِّلةٍ. حينَ رفعَ رأسَهُ المُثْقَلَ بالأوهامِ، لم يجدُ سوى الفراغِ المُطبقِ الذي أورثَتْهُ. والكأسُ خاويةً في يدِهِ المرتجفةِ، شاهِدًا أخرسَ على عمقِ قحطِ روحِهِ وعجزِهِ عن تجاوزِ بقايا حلمٍ كان يومًا روضًا أَنِيقًا.

أضف تعليقاً