ليل الشتاء يبدأ باكراً , بارداً , فيصير الدفء مغرياً ,يحرض على الخمول و التثاقل .فتحتُ هاتفي حالما وصلتني رسالة , وقد أنهيتُ عشائي , ولازال كوب الشاي يغريني ببخاره المتصاعد ,بعد يوم عمل مضني في الجريدة .كان المرسل صديقا أستشهدأخيراً. حرضني غموض الرسالة على أعادة قراءتها .
_ ( العاشرة , عند المقبرة ) .
جهزتُ نفسي للخروج فاستغربتْ زوجتي .
_ الى أين ؟
_ عمل طارئ .
حاولتْ إغوائي لأبقى . كدتُ أتراجع رفقا بنا , لكن هاجسا مبهماً طوح بإغراءاتها , فدفعني للتحري عن مصائر مجهولة .استشاطت غضبا , وهي. تغسلُ وجهها من أصباغ الأنوثة المحرضة على الإذعان . احتوشتني عتمة الليل القارس .كنتُ غارقاً في تهيؤات مريرة , عندما سلكتُ الشارع الموازي للمقبرة . حالما ركنتُ سيارتي عند المدخل الرئيسي, طلبت مني رسالة جديدة الدخول الى المقبرة …
تسمرتُ مكاني . اقشعر بدني .هل يعقل هذا ؟ : سألني قلقي .
تلبسني خوفٌ مذل .وقف شعر رأسي من الفزع .تعرق جسدي , ثم اجتاحتني موجة برد عاتية, وبدأت أرتجف .
_ حسنا لابأس , ليخرج هو .
اقتنعتُ بوجهة نظر خوفي .أخرجتُ هاتفي لأتصل به .كان هاتفي فارغا كصفحة بيضاء .أُحبطتْ محاولتي , ولم يعد أمامي سوى انتظار مهين .
_ لا تخف سأنتظرك مع أحمد .
أنه مطلع على دواخلي . أنا فعلا مرتبك , بل مرعوب , متخاذل …وأحمد اختطف قبل شهر ,وضاعت أخباره .لم يختبأ هنا ؟ , وقد بحثنا عنه في كل مكان . هل قتلوه ؟ .
أسئلة مريرة انبثقت في بالي .زادتْ من ارتباكي , زلزلتني .
_ أنها طريقة مستحدثة للتخلص منك : صرختْ ظنوني .
استدرت بسيارتي لأنجو من هذه الورطة .لكن رسالة مفاجئة , هدأت مخاوفي , شجعتني , أغرتني بلقاء معارفي , كأني كتبتها لنفسي .
كألة يتحكم بها أحدهم كيفما يشاء , دخلتُ المقبرة , مترددا , مرتبكا ,أسير وجلاً بين القبور . في هذا السكون المفزع , أي صوت أو حركة , سيكون حكما مسبقا بالجنون .اصطدمت بأحد القبور المهدمة , فعاودني جزعي , من مكان يعج بالوحشة , مكان خامد ,مزدحم بالفراغ , مكان مكتظ بالريبة والتوجس .كنتُ أقرأ بعض التعاويذ , لأحصن نفسي من المفاجئات . أردد وأنا أتعثر ببعضي , السلام عليكم , كما لو أني أُحيي أُناس أراهم .أُحاول أن أصنع لنفسي عالما مألوفاً , أمنا .. عالما يوميا , أعرف تفاصيله , أعرف ساكنيه , أرتبط معهم بعلائق وشيجة .لأشجع نفسي , أُقوي عزيمتي ,أمنع انهياري . يبس حلقي وأنا أسمع , وعليكم السلام . ارتجفتُ . رحتُ أختض , ثم اعتراني خمود .انكمشتُ . تضاءلتُ .تشبثتُ بأحد القبور , كأني أستجير بكائنات من عوالم أخرى . كائنات غير مرئية , شفافة , تحتشد حولي ,تتفرج عليَ , تتركني وحيداً, أواجه خطرا لا أعرف مصدره . لم أعد قادرا على الحركة , كأن ألاف الأيدي المستترة , تمسكُ بي ,تقيدني , جثوتُ على رُكبتيً, نشبتُ أصابعي بالأرض الرملية .تلفتُ أبحثُ عن الدرب الذي جئتُ منه فلم أجده .زحفتُ على أربع . توسلتُ ليدلوني على الطريق . لا أحد يكترث بلوعتي .استسلمتُ . أذعنتُ مسحتُ دموعي . أدرتُ طرفي في الفراغ المذل . رأيتُ صديقاي يلوحان لي عن قرب . تمالكتُ نفسي . شددتُ أزري . سرتُ نحوهما بتثاقل ووهن .احتضنتهما لأطمئن .ارتطمتْ يداي بشاهدة
أحد القبور. انهرتُ , رحتُ أبكي وأحثُ التراب على رأسي .كان صديقاي لازالا بانتظار أن أنتهي .
_ دعنا نذهب .
حلقا كضوء , بينما كنت منهكا أتعثر بين قبور عتيقة , متقاربة , لا تبيح لأحد المرور بينها بيسر .قبور متقاربة , متراصة , كما لو أنها تدافع عن نفسها ضد غزاة محتملين .قبور عشوائية , كمدننا التي نسكنها .استخدمتُ مصباح هاتفي , لأجد لي طريقا في هذه المتاهة المرعبة …. وصلتُ أخيرا للمقبرة الجديدة , مقبرة أكثر تنظيماَ , كما لو أنها حداَ فاصلا بين حقبتين . رأيتهم يجتمعون حول موقد مليء بالجمر .رائحة الشاي التي فاحت , أزالت ظنوني . اقتربتُ بعجالة . جلستُ بينهم على الأرض الرملية الباردة. ازدادت قشعريرة بدني . مددتُ يدي لأتدفأ, لم أشعر بحرارة النار .أخرجتُ علبة سكائري , لأحتفل بهم . لم يتقبلوا مني , رغم الحاحي , و لم تشتعل سيكارتي , حينما قربتها من الجمر .أغوتني رائحة الشاي بمد يدي نحو الأبريق . لم أستطع الإمساك به . تلبستني مخاوفي ثانية . هيأتُ نفسي لأفر . ابتسامة ودودة شعتْ على وجوه الحاضرين , هدأتني .
_ نحن عالمان مختلفان , فلا تقلق يا صديقي : قال أحدهم .
هدأتُ ,ارتحتُ , حينما توافد علينا الكثيرون , لتحيتي .. أرشدني المغيبون الى قبورهم .
_ ولكن لم أرسلتم عليّ ؟تسألتُ بإلحاح .
بعد إن استأذنهم , فتح أحدهم هاتفه وقدمه لي .كان هناك اجتماعا عاصفا ,وكبيرهم يوجه البنادق بنفاذ صبر ولكنة فاضحة , وقد تردد أسمي مراراً . لقد رأيتهم بأم عيني يتهيؤون لنحري .
قال أحدهم : سيحاولون تصفيتك .
رتب أمورك :قال شاب صغير بقصة شعر مميزة , وألا ستنضم الينا بلا سكائر .
ضج الجميع بالضحك . أدرتُ طرفي بالمكان , لم يكن مغريا بالسكن .بقيتُ صامتاً, مذهولاً . نهضتُ بعد أن اختمرت في ذهني فكرة ملحة .ودعوني عند باب الجبانة , بعد إن كلفوني ببعض الأعمال .في الأيام التالية , أرشدتُ البعض على قبور أبنائهم .نشرتُ الحكاية في الجريدة , بعنوان , جمر بارد . أول أمس وجدتُ أطلاقه بندقية , في باب الدار .أظنهم لازالوا ينتظروني على دراجاتهم النارية ,وأنا في طريقي لمدن لا تعشق الرصاص .
- جمر بارد
- التعليقات